د. محمد منصور
إذا غاب دور المثقف في المجتمع غابت الحرية ، وإذا غابت الحرية غابت العدالة وإذا غابت العدالة تبخرت القيم وصار كل فرد في المجتمع يستحل لنفسه مايشاء ولاتحميه من التعدي على حقوق الآخرين إلا ما تلقاه من اهتمام أسرته وتربيتها له ..
لكن مع انشغال الأسرة بتدبير لقمة العيش لأفرادها ، ومع إهمال تربية وتعليم البشر تصبح الكارثة أكبر والتربية هي أيضاً في خبر كان، ومع الضائقة الاقتصادية التي تخنق المجتمع يصبح الحصول على المال بأسهل الطرق هو الغاية ويصبح التعليم والترقي استثمار سئ وغير مرغوب لأنه استثمار طويل الأجل..
قاطرة أي مجتمع حر هي مثقفيه وإعلامه ، فإذا تم تهميش المثقفين وتصدر الإعلام مجموعة من المرتزقة والمهرجين كل دورهم هو إغراق الناس في التفاهة وتبرير الأخطاء فلا تنتظر عندئذ نهضة أو تقدم أو منافسة حتى مع دول كانت بيننا وبينها مسافة أجيال من التقدم والتحضر ..
بالأمس تصدر مواقع التواصل الاجتماعي سلوك طفل بلطجي يشخر وينخر ويهدد الناس بالسلاح الأبيض وهو بالكاد قد بلغ الحلم ، لكنه في الغابة التي صرنا نعيش فيها صار عنواناً لمرحلة من التردي السلوكي والأخلاقي صار طابعاً لمجتمعنا عقب ثورتين فالمجد الآن للبلطجي الذي ينشر الرعب بين الناس ويجيد استخدام الأسلحة البيضاء بكفاءة مجرم محترف.
وقبله بأيام شاهدنا طلبة الثانوية العامة يدافعون عن حقهم المكتسب في الغش بالبلطجة والاعتداء على المعلمين وحق أولياء أمورهم في الوقوف أمام نوافذ لجان الأمتحان ليملوا عليهم إجابات الأسئلة !!
أي مستقبل أسود ينتظر هذه الأجيال وهذا الوطن إذا لم نبادر جميعاً بوقف هذا الانحدار والتردي وإعادة الهرم المقلوب إلى وضعه الطبيعي .
لايمكن أن يبني مجتمع سوي في ظل ميوعة تطبيق القوانين والتشريعات وازدواجية المعايير.. وما حدث من اعتداء سافر على مربية فاضلة مسيحية قررت أن تقاوم ظاهرة الغش بسبب ديانتها لا يجب أن يمر مرور الكرام حتى لو تصالحت هي بل حتى لو تنازلت كتابياً وعانقت الذين اعتدوا عليها وأخذتهم بالأحضان .. المجتمع عليه واجب قانوني وأخلاقي ألا يمرر جريمة كهذه حتى لو تنازل المجني عليه ، فالسب القبيح والسلوك الهمجي الذي تم وشاهده كل المصريين على صفحات التواصل يرتب حقاً للمجتمع ككل منفصلاً تماماً عن مشيئة وإرادة صاحب الحق ..
لايوجد مايسمى التصالح إذا كنا نريد بناء مجتمع سوي تحفظ فيه الحقوق ويصان القانون ..
لذلك نهيب بالنائب العام أن يتدخل فوراً لضبط إيقاع هذا البلد وعلى المشرع ممثلاً في المجلس النيابي أن يتدخل لتغيير هذا الواقع المؤسف بحفظ حق المجتمع ككل بعيداً عن رغبات أفراده أو طيبتهم ونواياهم الحسنة ، فمن أمن العقاب أساء الأدب وما دمنا نعيش في مجتمع رخو تحولت فيه القوانين إلى خرق بالية لا تستر عورات المجتمع فلتنتظر إذًا المزيد من هذه الاعتداءات المنحطة ..
إن حق فرد واحد من أفراد المجتمع ينبغي أن يساوي حق كل أفراد المجتمع لا تسامح فيه ولا تنازل ولا تصالح
إن محاولة ” لم الموضوع” وعدم تصعيد المشاكل والقفز فوقها ليس في صالح المجتمع وسندفع ثمنه غالياً إن لم ينتفض المجتمع ككل لصون حقوق أفراده وحماية نواته الصلبة ..
اللهم هل بلغت .. اللهم فاشهد.
