بقلم… أحمد رشدي
يقولون إن المستشفيات أماكن للشفاء، لكنهم لا يذكرون أن بعض الغرف ترفض النور، وأن ثمة ممرات لا تُفتح إلا لمن اقترب من حافة الجنون
كانت السماء تمطر بغزارة حين توقفت سيارة الإسعاف أمام مبنى المستشفى القديم
اللافتة نصفها مكسور،
والأضواء المعلقة تتراقص كأنها تحتضر
كان المكان موحشًا، تحيط به أشجار كثيفة تميل مع الرياح فتحدث صوتًا كأنها تهمس
دُفع الباب الحديدي فصدر صرير طويل اخترق أعصابه كصفير معدني في أذنٍ مريضة

inbound1270113317707309208
دخل بخطواتٍ مترددة وهو يحمل حقيبته الطبية
لم يكن طبيبًا بعد، لكنه جاء بدعوة غريبة من مديرٍ لم يسمع باسمه من قبل
كان المستشفى مغلقًا منذ عشر سنوات بعد حادثٍ غامض، قيل إن مرضاه احترقوا في القبو أثناء تجربة علاجٍ فاشلة
لكن الرسالة التي وصلته تقول إن العمل سيُستأنف، وإنه مطلوب ضمن فريقٍ خاص
الممرات طويلة كأنها لا تنتهي
الضوء الأصفر يتساقط على الجدران التي تحمل بقعًا داكنة تشبه الدم
وفي البعيد سُمع صوت عربات تتحرك ثم تختفي
كان كل شيء في مكانه، لكنه يشعر أن هناك شيئًا غير طبيعي في الهواء
عند مكتب الاستقبال وجد دفترًا قديماً مغطى بالغبار
فتحه فوجد آخر توقيعٍ فيه يعود إلى عامٍ لم يولد فيه بعد
تحت الاسم كانت عبارة صغيرة بخطٍ مرتجف
“من يدخل القبو… لا يعود كما كان”
تقدّم في الممر حتى وصل إلى بابٍ نصف مفتوح يقود إلى غرفة العمليات
الطاولة مغطاة بملاءاتٍ بيضاء، لكن هناك بقعًا بنية في أطرافها
حين اقترب، تحرّكت إحدى الأدوات فجأة وسقطت على الأرض
قفز قلبه من مكانه
انحنى ليلتقطها، فسمع صوت تنفسٍ خلفه، بطيئًا وثقيلاً
التفت سريعًا، فلم يرَ أحدًا
فقط الهواء البارد يمرّ كأن المستشفى يتنفس من جديد
خرج مسرعًا نحو الممر، لكنه لمح شيئًا يتحرك في نهاية الطريق
خيال إنسان، يسير بخطواتٍ بطيئة، كأنه يجرّ جسده جراً
ناداه: “من هناك؟!”
لم يجب أحد
اقترب ببطء حتى صار على بعد خطوات
لكن المكان كان خاليًا تمامًا
في سكون الليل، سمع أصوات همسات تأتي من أسفل المبنى
كأن أحدهم يناديه من القبو
أمسك المصباح وبدأ ينزل السلم الحجري، وكل درجة تصدر صريرًا كأنها تئن
كلما نزل أكثر، ازدادت الرائحة غرابة، خليط من صدأٍ وعفنٍ وأدوية منتهية
وعندما وصل إلى أسفل الدرج، وجد بابًا حديديًا عليه لافتة متهالكة مكتوبٌ عليها
“قسم التجارب النفسية”
دفع الباب بصعوبة
الداخل كان أشبه بمختبرٍ قديم، الأنابيب مكسورة، والطاولات ملقاة كأن عاصفة مرت من هنا
وفي الزاوية كانت هناك غرفة زجاجية بها سرير صدئ، وعلى الحائط لوحات طبية تحمل رموزًا غريبة
اقترب أكثر، فرأى على إحدى الأوراق صورة وجهٍ يشبهه بشكلٍ مريب
نفس العينين، نفس الندبة الصغيرة عند الحاجب
وفي تلك اللحظة
انطفأ المصباح
الظلام الكامل ابتلع المكان
وسمع خطواتٍ تتجه نحوه ببطءٍ من داخل الغرفة الزجاجية
ثم رأى من خلف الزجاج شبحًا يتحرك نحوه، يضع يده على الزجاج من الداخل، كأن الجدار لا يفصله عن العالم
صوته كان خافتًا، لكنه واضح
ـ “أنت لست أول من جاء… ولن تكون الأخير”
ركض هاربًا في الممر، يسمع أصوات الأبواب تُفتح خلفه، والعربات المعدنية تندفع من تلقاء نفسها
كان يركض وهو يشعر أن أنفاسًا تلاحقه
وفي لحظةٍ خاطفة، تعثّر ليسقط على الأرض، فوجد أمامه مرآةً صغيرة كانت مغطاة بالدماء
نظر فيها فرأى وجهه… لكنه لم يكن وحده
خلفه كان هناك وجه آخر، يبتسم
صرخ بكل ما أوتي من صوت، لكن لا أحد أجاب
فقط الجدران أعادت صدى صرخته كأنها تسخر
مع أول خيوط الفجر، وجد نفسه مستلقيًا في سريرٍ طبي
إلى جواره ملفٌ يحمل اسمه وصورًا لأشخاصٍ لا يعرفهم
وفي نهاية الملف كلمة واحدة بخطٍ مائل
“تمت الموافقة – التجربة التالية تبدأ الليلة”
رفع عينيه نحو الممر
كان هناك رجل يقف في الظل عند الباب، يرتدي معطفًا أبيض، لكن وجهه لم يكن واضحًا
قال له بصوتٍ بارد
ـ “مرحبًا بك في القسم التجريبي، دكتور…”
ثم انطفأ الضوء…
…..
