بقلم/ سالي جابر .
إنني أقف هنا منذ فترة طويلة أتأملك
ما هذا؟ كيف لك أن تفعل ذاك؟
إنني أكاد أسقط من هذا الحِمل الثقيل الذي أرهق رأسي حتى شاب قبل أوانه.
ألمت معدتي، واهتزّت أرضي، وتشقّق سقفي من فرط ما حُمِّلت.
أصمت أيها الخوف، فأنت لا تعرف مع من تتحدث!
أنا الثقة، الجدار الذي كان يحمل سقف الأمان.
كلما ضعفتُ، صار البيت يهتز من أقل ريح.
حين تهاجمني الشكوك، تتسرب من شقوقي أصوات الغربة،
وتتسلل الوحدة من النوافذ حتى يخبو دفء المكان.
ومن الركن المقابل، انحنت الطمأنينة وهي تمسح غبار التعب عن عينيها:
“كنتُ جدار السكون، كنتُ أزرع الهدوء في زوايا البيت،
لكن حين زاد الصخب فيكم، تكسّرت ألواني،
وصار الليل داخلكم أطول من اللازم.”
أما الحب، فجلس على الأرض متكئًا على ركبتيه وقال:
“كنتُ الدفء الذي يملأ الغرف،
وحين ضعف نبضي، صارت الجدران باردة،
لا أحد يعانق أحدًا، ولا كلمة تشبه العناق.”
اقترب الغضب وهو يضرب بقبضته على الحائط المائل:
“حين أضعف أنا، لا يعني أني غائب، بل أحترق في الداخل بلا صوت، فتغمرني المرارة، ويختنق الهواء في صدوركم.”
ومن الزاوية القصوى، رفعت الأمل رأسها بصعوبة وقالت بصوت خافت:
“أنا الجدار الأخير، إن سقطتُ لن يبقى في البيت نور.
كل شقّ فيّ هو فقدانُ حلمٍ كان يمكن أن يعيش.”
ثم عمّ الصمت.
يطلّ الوعي من الممر الطويل، يمشي بخطى ثابتة ويقول:
“أنصتوا جميعًا… أنتم لستم متفرّقين، أنتم جدران البيت ذاته.
ضعف أحدكم هو تصدّع للبيت كله.
حين تتجاهلوا خوفكم، يتسلّل الهدم من داخلكم،
وحين تكتموا حزنكُم، يتآكل الطلاء،
وحين تهجروا الحب، ينطفئ الضوء.”
ساد هدوء يشبه الاعتراف.
ثم بدأ الترميم، لم يكن بالمطرقة، بل بالفهم والقبول.
كل جدار أصلح نفسه حين سُمع صوته.
وحين تنفّس البيت أخيرًا، قال الوعي مبتسمًا:
“البيوت لا تنهار لأن الرياح قوية،
بل لأنها نسيت أصوات جدرانها”
