بقلم د.نادي شلقامي
في عالمٍ يموج بالصراعات، وتتلاطم فيه أمواج الأحقاد، تبرز قيمةٌ عظيمةٌ كالشمس الساطعة، تضيء دروب البشرية وتُسكن اضطراب النفوس، إنها قيمة “التسامح”. تلك الصفة التي أرساها ديننا الحنيف، الإسلام، كركيزة أساسية لبناء مجتمعٍ متماسكٍ، تسوده المحبة والإخاء، وتُطوى فيه صفحات الضغائن والأحقاد. فما أحوجنا اليوم إلى أن نعود إلى منابع الوحي الصافي، لنستلهم من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة دروساً في التسامح، ونُزيل ما قد يعلق بقلوبنا من “سواد” يُعيق تقدمنا ويُفسد حياتنا. فالتسامح ليس ضعفاً، بل هو قوةٌ عظيمة، وهو مفتاحٌ للطمأنينة في الدنيا، والفوز برضا الله في الآخرة.
التسامح في القرآن الكريم: “دعوة إلهية بصفاء القلوب”
لقد أولى القرآن الكريم التسامح اهتماماً بالغاً، واعتبره من صفات المؤمنين الأتقياء، الذين يُجازون عنه بأعظم الأجر. فالتسامح في القرآن يتجاوز مجرد العفو، ليلامس أسمى درجات الإحسان، وهو الصفح الجميل، الذي لا يتبع بذكر للمسيئة أو منّة. يقول الله تعالى: “وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” (آل عمران: 133-134). هذه الآيات الكريمة ترسم لنا صورة المؤمن الحق، الذي لا يقف عند حدود كظم الغيظ، بل يتعداه إلى العفو عن الناس، وهو قمة الإحسان.
كما يدعونا القرآن إلى التعامل باللين والرفق، حتى مع من يُسيئون الظن أو يعادون، لعل هذا اللين يقلب العداوة إلى صداقة: “وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ” (فصلت: 34). هذه الآية تعلمنا أن التسامح ليس مجرد رد فعل، بل هو استراتيجية حكيمة لتهدئة النفوس وتغيير القلوب.
التسامح في السنة النبوية :
“قدوةٌ عمليةٌ للتسامي عن الأحقاد”
رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كان خير مثالٍ للتسامح والصفح، فقد جسد هذه القيمة العظيمة في كل مواقف حياته. من أمثلة ذلك موقفه يوم فتح مكة، حيث كان في أوج قوته، وقد تمكن من أعدائه الذين آذوه وأخرجوه من بلده، ولكنه قال قولته الشهيرة: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”. هذه الكلمات لم تكن مجرد عفوٍ، بل كانت إعلاناً للتسامح الشامل، الذي محا كل ضغينةٍ، وأعاد بناء جسور المحبة والإخاء.
وحث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأمته على التسامح والعفو، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال: “لئن كنتَ كما ذكرتَ، فكأنما تسفُّهم الملَّ، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دمتَ على ذلك” (رواه مسلم). هذا الحديث يؤكد أن التسامح ليس فقط خُلُقاً نبيلاً، بل هو أيضاً وسيلةٌ للفوز بنصرة الله ومعونته.
القلب الأسود: آفةٌ تُدمِّر الفرد والمجتمع:
في المقابل، يأتي القلب الأسود كضدٍّ للتسامح، فهو قلبٌ امتلأ بالضغينة والحقد، والغِلّ والبغضاء. هذا القلب لا يعرف للراحة سبيلاً، ولا للسعادة طريقاً، فهو يعيش في دائرةٍ مغلقةٍ من السلبية والتشاؤم، ولا يرى في الآخرين إلا الشر. والقرآن والسنة حذّرا من هذه الآفة العظيمة. فالقرآن يصف الذين في قلوبهم مرضاً بالمرض، وينذرهم بسوء العاقبة.
ويُخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن خطورة القلب الذي امتلأ بالغلّ والحقد، ويُشير إلى أن هذه الأمراض الباطنة تُفسد الأعمال الصالحة. ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال” (رواه البخاري ومسلم). هذا الحديث يُحذّر من كل ما يؤدي إلى تلوّث القلوب بالغلّ والحقد، ويُشدّد على ضرورة المحافظة على صفاء العلاقات الأخوية.
كيف نُطهر قلوبنا من السواد؟
لتطهير القلوب من سواد الحقد والضغينة، لا بد من العودة إلى المنهج الإلهي والنبوي. أولاً، بالدعاء والتضرع إلى الله أن يزيل من قلوبنا الغلّ والحسد. ثانياً، بالتأمل في عواقب الحقد الوخيمة على الصحة النفسية والجسدية. ثالثاً، بتذكّر فضل العفو والتسامح وثوابه العظيم عند الله. رابعاً، بالنظر إلى الآخرين بعين الرحمة والتفهم، وتلمس الأعذار لهم. خامساً، بالمسارعة إلى إصلاح ذات البين، وعدم ترك مجال للشيطان لبث الفرقة والعداوة.
التأثير الإيجابي والسلبي للتسامح والحقد على حياة الفرد والمجتمع في
أولا…. التأثير الإيجابي للتسامح
أ- على الفرد
1- السلام الداخلي والراحة النفسية: يحرر الفرد من عبء الغضب والرغبة في الانتقام، مما يؤدي إلى الشعور بالهدوء والسكينة.
2- الصحة النفسية والجسدية: يقلل من التوتر والقلق والاكتئاب، وينعكس إيجاباً على الصحة الجسدية (مثل انخفاض ضغط الدم).
3- النقاء الروحي والأخلاقي: يعزز من صفات العفو والمودة والرحمة.
4- تحسين العلاقات الشخصية: يفتح الباب لاستعادة العلاقات المتصدعة وتقوية الروابط مع الآخرين.
ب- على المجتمع
1- تعزيز الوحدة والتماسك: يوثق الروابط الاجتماعية ويقلل من الخلافات والعداوات.
2- نشر المحبة والوئام: يسهم في سيادة السلام والمحبة بين أفراد المجتمع الواحد والمختلفين.
3- حل المشكلات ومنع تفاقمها: يساعد على تفعيل الحوار البناء ومنع حدوث المشكلات المستقبلية التي تنتج عن الخصام.
4- التعايش وتقبل الاختلاف: يعمق الاعتراف بالمغايرة والاختلاف بين الأفراد (سواء في الدين، الثقافة، أو الآراء).
ثانيا… التأثير السلبي للتسامح (في بعض الحالات)
1- استغلال البعض له: قد يُنظر إليه على أنه ضعف أو تنازل، مما قد يشجع البعض على التمادي في الإساءة إذا لم يُصاحبه وضع للحدود.
2- تضييع الحقوق: في بعض الأحيان، قد يؤدي التسامح المفرط دون أخذ الحقوق أو معاقبة المخطئ إلى ضياع حقوق الفرد أو الجماعة.
ثالثا…التأثير الإيجابي للحقد (نادر الحدوث ونسبي)
1- دافع مؤقت للتفوق: قد يدفعه أحياناً للحقد على شخص ناجح إلى العمل بجد لإثبات الذات والتفوق عليه، ولكنه دافع غير صحي.
2- التحذير من الخطر: يمكن أن يكون الشعور بالغضب أو الاستياء (وهو شكل مخفف من الحقد) بمثابة إشارة للفرد بضرورة حماية نفسه من مصدر الأذى.
رابعا… التأثير السلبي للحقد
أ- على الفرد
1- الأذى النفسي المستمر: يسبب الإحساس بالمرارة، الغضب، والحسد بشكل دائم، مما يدمر السلام الداخلي.
2- التأثير الصحي السلبي: يؤدي إلى زيادة مستويات التوتر، القلق، ارتفاع ضغط الدم، وقد يكون سبباً في الإصابة بأمراض نفسية وجسدية مزمنة.
3- الانشغال العقلي المدمر: يستهلك طاقة الفرد وجهده في التفكير في الانتقام بدلاً من التركيز على حياته وأهدافه الإيجابية.
4- العزلة وتدمير العلاقات: ينفر الآخرين منه ويجعله شخصاً صعب المراس، مما يؤدي إلى عزلته عن محيطه الاجتماعي.
ب- على المجتمع
1- نشر الفتنة والفرقة: يؤدي إلى تصدع الروابط الاجتماعية وانتشار العداوات والمشاحنات.
2- زيادة الجرائم والعنف: قد يتطور الحقد إلى رغبة في الانتقام أو إلحاق الأذى، مما يزيد من معدلات العنف والجرائم.
3- عرقلة التنمية والتعاون: يعيق التعاون والتفاهم بين أفراد المجتمع والمؤسسات، مما يؤثر سلباً على الأداء العام والتقدم.
4- تفكيك الأسرة والمجتمع: يمكن أن يتسبب الحقد في قطع العلاقات الأسرية (قطيعة الرحم) وانهيار البنى الاجتماعية الأساسية.
إن التسامح ليس مجرد قيمةٍ أخلاقيةٍ فحسب، بل هو منهاج حياةٍ كامل، يرسم للمسلم طريقاً نحو السعادة والرضا في الدنيا، والفوز بجنات النعيم في الآخرة. فلنجعل من قلوبنا واحاتٍ خضراء تنبت فيها أزهار المحبة، وتُزهر فيها ثمار العفو، ولنُطهرها من كل سوادٍ قد يُلوثها، مستلهمين ذلك من هدي كتاب ربنا وسنة نبينا. ففي التسامح قوةٌ، وفي العفو رفعةٌ، وفي الصفح سعادةٌ، وهو بذلك النور الذي يضيء دروبنا، ويُسكن أرواحنا، ويُعلي شأن أمتنا.
