سالي جابر
عند حديثنا عن مفهوم «عيد الحب» عند المصريّين القدماء، من الضروري التنبيه أولاً إلى أنّهم لم يكن لديهم عيدًا معادلًا تمامًا لعيد الحب الحديث. لكنّهم كانوا يحتفلون بمناسبات دينية واجتماعية تُكرّم الحبّ، الجمال، الخصوبة والعلاقات بين الآلهة والبشر، ومن أبرزها الاحتفالات الخاصة بإلهة الحبّ والجمال والطرب والنماء: Hathor.
Hathor -1 :
• Hathor كانت إلهة محوريّة في الميثولوجيا المصريّة، تمثّل الحبّ، الجمال، السّعادة، الموسيقى، الخصوبة، الأمومة، وأحيانًا الترفّع على الحداد والموت.
• تُصوَّر غالباً على شكل امرأة متوجة بقرون ثور وشمس بينهما، أو على هيئة ثور، أو امرأة برأس ثور. وهي مرتبطة أيضاً بعنصر «العين» (Eye of Ra) في النصوص الدينيّة.
• معبودتها كانت تُعبّر عن فرح الحياة وتجديدها، وليس فقط عن الحبّ الرومانسيّ بين زوجين.
2- الاحتفال بـ Hathor: مناسبات ترتبط بالحبّ والفرح:
• أحد أبرز الاحتفالات المرتبطة بها هو Festival of the Beautiful Reunion (مهرجان اللقاء الجميل) الذي يُعدّ تجسيدًا لالتقاء Hathor مع Horus في عدد من المعابد، خاصّة في معبد إدفو.
• في هذا المهرجان: تُنقل تمثالات الآلهة في موكب نهري، ويُقام احتفال موسيقيّ ورقص وغناء، ويُعدّ اللقاء بين Hathor وHorus رمزًا لتجدّد القوّة والخصوبة والوفاق بين القوى الإلهيّة.
• لقد وُصِف هذا المهرجان بأنه «زواجٌ إلهيّ» أو اجتماعٌ رمزيّ بين آلهة الحبّ والخصوبة، وإن كان هناك خلافٌ بين الباحثين حول ما إذا كان فعليًا طقس «زواج» أو تجديد للقوى الكونيّة.
3- الحبّ والزواج في مصر القديمة:
• تُظهر النصوص المصريّة القديمة اهتماماً بالحياة العاطفيّة والعائليّة: النصائح الأخلاقيّة في عهد الدولة القديمة، كتعليمات الوزير Ptahhotep، تنصّ على معاملة الزوجة بلطف، وإدخال الفرح إلى قلبها بالملابس والعطور، لأن ذلك يُقرّبها إلى القلب.
• صور تماثيل ومشاهد في المقابر تظهر الزوجين جنباً إلى جنب، أو يُمسك أحدهما الآخر، ما يعكس مكانة العاطفة والازدهار العائلي داخل الثقافة.
• هكذا، الحبّ البشري كان مُقدَّراً، وإن لم يُحتفل به بتاريخ محدّد مثل عيدٍ سنويٍّ للحبّ كما في العصر الحديث.
4- هل يمكن اعتبار أحد الأيام “عيد حبّ” مصريّ قديم؟
من حيث المفهوم:
• نعم: لأن هناك مظاهر دينيّة واجتماعيّة تُكرّم الحبّ، الجمال، اللقاء والخصوبة خصوصًا من خلال طقوس Hathor.
• لا: لأنه لا يوجد حُجة تاريخيّة قوية تُشير إلى تاريخ سنوي محدّد مخصص للاحتفال بـ «الحبّ العاطفيّ» فقط مثل عيد الحبّ الحديث.
بالتالي، إذا أردنا صياغة مقولة: «لم يكن هناك عيد حبّ بالمعنى الحديث، لكنّ هناك احتفالات عشق، لقاء، خصوبة وفرح».
إنّ الاحتفاء بالحبّ في مصر القديمة لا يُقاس بعدد مهرجان واحد أو يوم واحد، بل بنسيج متداخل من الطقوس الدينيّة والاجتماعيّة التي وجدت في شخصية Hathor وفي العلاقات الزوجيّة واليوميّة. هذا المفهوم يمنحنا نظرة أعمق إلى كيف عاش المصريّون القدماء العاطفة، ليس فقط كميلاد لتاريخٍ مخصص، بل كجزء من الحياة والعبادة.
