بقلم السيد عيد
يستيقظ الإنسان كل صباح وهو يظن أن الكون قد قرر أخيرًا أن يتفاهم معه. يفتح عينيه مثل فيلسوف صغير معتقدًا أن اليوم سيكون أكثر رقة، وأكثر تفهّمًا، وأن مفاتيح الحكمة ستتدلّى من سقف غرفته كما تتدلّى الملايات من شُرف الجيران. لكن الحقيقة أن الحياة لا تتفق معنا إلا بالصدفة… وحتى الصدفة في الغالب تكون مشغولة.
نحن كائنات مدهشة فعلًا: نقضي نصف عمرنا نبحث عمّا نريده، ثم نقضي النصف الآخر نبرّر لأنفسنا لماذا لم نُرده أصلًا. نركض وراء الطمأنينة كأنها قطار سريع، ثم نكتشف أنها كانت طوال الوقت تسير على قضيب جانبي بجوارنا ونحن مشغولون بالبحث عن “بوابة الخروج”.
العجيب أننا نتعامل مع أنفسنا وكأننا مشروع إصلاح ضخم. نشتري كتبًا عن التنمية، ودورات عن السعادة، ونصائح عن النجاح، ثم ننتهي في آخر اليوم أمام المرآة، بنفس الوجه، ونفس الملامح، ونفس السؤال الوجودي القديم:
“هو أنا كنت عايز إيه من الأول؟”
الحياة، يا صديقي، لا تحب الوضوح. إنها تتلذذ بارتداء الأقنعة. تبتسم لنا حين نكون على وشك السقوط، وتضع قدمًا خفيفة جدًا كن محسوبة لتسرّع عملية السقوط، ثم تجلس في هدوء على الرصيف كما لو كانت مش طرف في الموضوع.
والمضحك أننا، رغم خبرة سنوات السقوط، ما زلنا نندهش كل مرة… كأنها المرة الأولى!
غير أن السقوط ليس دائمًا شرًا. أحيانًا يحرّرنا من طبقة من الغرور كنّا نرتديها، أو من حلمٍ كان يضغط على صدورنا أكثر مما يرفعها. السقوط يعلمنا أن الأرض ليست بهذا السوء، وأن الوقوف ليس امتيازًا بقدر ما هو مجرد وضعية مؤقتة… مثل وضع الهاتف على وضع الصامت.
المشكلة أن البشر سرًا يحبون الفوضى. نُعطيها أسماء لطيفة: “تجربة”، “مرحلة”، “قدر”، لكن الحقيقة أنها تمنحنا إحساسًا غريبًا بأننا أحياء. لأن النظام التام ممل، والراحة المطلقة تُشبه النوم الأبدي، أما اللخبطة فهي الدليل الرسمي أننا ما زلنا في اللعبة، نحاول، نتوه، ونلتقط الطريق من جديد.
في النهاية، كل ما تريده الحياة منّا بسيط جدًا:
أن نتوقف عن معاملتها كخصم، وأن نتعامل مع مفاجآتها بنفس روح لاعب شطرنج خسر الوزير… لكنه ما زال مصممًا أن يفوز بالجنود.
فلتضحك قليلًا، ولتسقط بأناقة حين تسقط، ولتنهض بلا خطّة عظيمة… فقط انهض، وواصل السير.
فالفلسفة الحقيقية ليست في فهم الحياة، بل في تقبّل أنها غير قابلة للفهم وأنه رغم ذلك، ما زال فيها شيء يستحق الابتسامة.
