بقلم السيد عيد
استيقظتُ كعادتي، ولكنني شعرتُ أن قلبي مقبوض…
قبضةٌ غامضة لا أعرف مصدرها، كأن أحدهم وضع حجرًا صغيرًا في صدري أثناء نومي، وتركني أفيق لأكتشف أن الهواء ليس هواءً، بل عبءٌ ثقيل يتطلّب جهدًا ليصل إلى داخلي. لحظة مربكة… شعرتُ فيها أنّ جسدي لم يعد يخصّني بالكامل، وأن شيئًا خفيًا يراقب أنفاسي عدًّا وحسابًا.
ومن هنا بدأ كل شيء.
هناك لحظة لا تشبه شيئًا على الأرض… لحظة يكتشف فيها الجسد أنّه لم يعد ملكًا لك، وأنك صرت ضيفًا عابرًا في صدرك، تنتظر أن يُفتح الباب الأخير.
في لحظات الاحتضار، لا يصرخ المرء كما تُظهره القصص… بل يصمت. يصمت صمتًا عميقًا يشبه الغرق. يشعر بأن الهواء صار ثقيلًا، يهبط على صدره كصخرة، وأن النفس الذي كان يدخل ويخرج بسهولة، صار يتعثّر كطفلٍ يتعلّم المشي لأول مرة.
يبدأ العالم من حوله يتراجع، يبهت، يصير كصورةٍ تُسحب منها الألوان ببطءٍ موجع.
تثقل الجفون.ويخونك الضوء.وتتدلّى اللحظة بين الحياة والموت كخيطٍ مُهترئ.
في تلك اللحظة، يسمع المرء دقات قلبه كما لو كانت قادمة من بئرٍ عميقة… بعيدة… كأن قلبه لم يعد يعيش فيه. يشعر بأن الحرارة تهرب من أطرافه، وأن يديه اللتين طالما حملتا الكثير، صارتا خفيفتين كأنهما تنفصلان عنه تدريجيًا.
ثم تبدأ الذكريات في الانفلات، تتساقط أمام عينيه كشظايا زجاج:
وجه أمٍ كانت تخاف عليه أكثر مما خاف هو على نفسه،
ضحكة صديقٍ رحل قبله،حزنٌ قديم لم يتصالح معه،
وجوه كل من أحبهم زوجة صالحة هي حياته وأبناء هم قرة عينه .
وإخوه وأخوات وأصدقاء وزملاء عمل هم سند وضهر .
في لحظات الاحتضار، يدرك الإنسان أن العمر كله كان يمرّ بسرعة مذهلة، وأنه لم يكن يومًا مستعدًا لهذه اللحظة. يتمنى لو يفتح فمه ليقول كلمة أخيرة… كلمة واحدة فقط، لكن الصوت يخونه، والحياة تتراجع من حوله كظلٍّ ينسحب مع الغروب.
وتبدأ الأصوات تتداخل… أصوات بعيدة، مكسّرة، كأنها تأتي من وراء زجاجٍ سميك. يرى وجوهًا تنحني فوقه، تتحرك الشفاه، تسيل الدموع، لكنه لا يميّز الكلمات. كل ما يشعر به هو أن الزمن نفسه بدأ يتوقّف، وأن العالم يضيق حتى يصبح نقطة واحدة… نقطة في منتصف صدره.
وفي اللحظة الأخيرة اللحظة التي لا تُكتب يقف الألم فجأة. لا بالراحة… بل بالتسليم. يهدأ الجسد، يخفّ ثقله، كأن شيئًا داخلك كان يقاوم واستسلم أخيرًا.
ثم يتسلّل بردٌ خفيف… بردٌ يشبه يدًا باردة تمسح على الروح.
وتنطفئ الحياة… لا بضوضاء، بل بانطفاءة شمعة، ترتجف مرة أخيرة ثم تستسلم للظلام.
ويبقى الأثر.
يبقى الشغف الذي لم يُكمل، والكلمة التي لم تُقل، والفراغ الذي لا يملؤه أحد.
