بقلم/نجده محمد رضا
يقال إنّ العيون لا تكذب، وإنّ نظرة واحدة قد تختصر حديثًا طويلًا لا تقدر عليه ألسنة البشر. فالعين مرآة القلب، تكشف ما في داخله من صدق أو زيف، حبّ أو خيانة، فرح أو حزن، حتى وإن حاول اللسان أن يُخفي الحقيقة خلف ابتسامةٍ مصطنعة.
إنّ النظر في عيون الآخر ليس مجرّد تواصل بصري، بل هو صِلة روحية تتجاوز حدود الكلام. فعندما يكون الإنسان صادقًا، تلمع عيناه بنور الطمأنينة، ويشعر من أمامه بدفء النقاء. أمّا الكاذب أو الخائن، فيخاف من هذا اللقاء الصامت، فيشيح ببصره، لأنّه يعلم أنّ العيون لا ترحم ولا تُجامل، وأنّها تستطيع أن تفضح ما يحاول إخفاءه مهما أتقن التمثيل.
إنّ من أصعب المواقف أن تُحدّث شخصًا لا يجرؤ على النظر في عينيك، فالعين الصادقة تواجه بلا خوف، بينما العين المذنبة تهرب كمن يحاول النجاة من اعترافٍ لا مفرّ منه. ولهذا قال الحكماء قديمًا: “من أراد أن يعرف حقيقة إنسان، فلينظر في عينيه لحظة الصمت.”
وفي زمنٍ غلب فيه التزييف على الصراحة، أصبحت العيون آخر ما تبقّى من الصدق الإنساني. فهي لا تتقن الكذب، ولا تعرف الأقنعة. نظرة واحدة صادقة قادرة على أن تمحو ألف كذبة، ونظرة مرتجفة قد تُسقط جدارًا من الثقة بلمح البصر.
فلنحترم لغة العيون، ولنتذكّر دائمًا أنّها ليست مجرّد ملامح تُزيّن الوجه، بل نوافذ تُطلّ منها أرواحنا على العالم، وتقول ما لا تجرؤ قلوبنا على البوح به.
حين تلتقي عينك بعين من تحب، تذكّر أنّ الصدق لا يحتاج إلى قسم، وأنّ الخيانة لا يمكن أن تُخفى بابتسامة. انظر دائمًا في العيون، ففيها تجد الإجابات التي يعجز اللسان عن قولها، واعلم أنّ من يتهرّب من نظرتك، قد يكون هو نفسه من تهرّب من صدقه معك. فالعيون لا تكذب… ولو صمتت كلّ الكلمات.
