بقلم : أحمد رشدي
كان اسمه «سامي» شابًا خرج من الجامعة كما يخرج طائر من قفصٍ صدئٍ إلى فضاءٍ جديد. أحلامه كثيرة، وأمله أكبر، ومكتبه الموعود في شركة الأحلام كان يسكن خياله كما يسكن الضوء عيون المنتظرين.
وفي صباحٍ عاديٍّ تمامًا،
التقى بها.
عجوز غريبة الملامح، بثوبٍ رماديٍّ باهتٍ كأنه من غبار المقابر،
طلبت منه المساعدة في عبور الطريق.
ابتسم وساعدها، فلما انتهيا نظرت إليه نظرةً باردةً وقالت بصوتٍ كالفحيح:
ـ شكراً يا ولدي… لكن تذكّر هذا اليوم جيدًا، ففي مثله من العام القادم… ستُموت.
ضحكت ضحكةً قصيرةً مؤذية، وابتعدت،
تاركةً وراءها رائحةً غريبةً كأنها قادمة من بئرٍ قديمٍ لم يفتح منذ قرون.
منذ تلك اللحظة تبدّل كل شيء.
تعثّرت خطواته، فشلت مقابلاته، خيالاتها تطارده في الليل، ضحكتها تقتحم أحلامه، وصوتها يتردد في رأسه كجرس كنيسةٍ مهجورة.
صار يحيا كمن يحصي الأيام المتبقية في ساعته الرملية.
حتى جاء اليوم الأخير.
خرج سامي يتخبط في الطرقات،
وجهه شاحب كأن روحه هربت قبله.
وبالقرب من المسجد القديم،
لمح شيخه الذي كان يعرفه منذ الصغر.
جلس أمامه يحكي القصة كلها،
والشيخ ينصت بعينٍ هادئةٍ رحيمة.
قال له الشيخ بعد صمتٍ طويل:
ـ يا بني، الوهم حين يسكن القلب يصبح أشد فتكًا من السحر. تلك المرأة لم تكتب أجلك، لأن الأجل لا يعلمه إلا الله. كل ما في الأمر أنك عشت عاماً من الغفلة،
فأنساك خوفك معنى التوكل.
تطهّر من وهمك، وارجع إلى ربك، فالحياة لا تُنتزع إلا حين يشاء هو،
لا حين تهددك ساحرة أو عجوز .
شعر سامي بطمأنينةٍ لم يعرفها من قبل، كأن كلام الشيخ أغلق الباب على كل الشياطين التي كانت تسكن صدره. خرج من المسجد مبتسمًا، والمطر ينساب برقةٍ فوق وجهه، كأنه وُلد من جديد.
سار في الطريق نفسه الذي التقى فيه العجوز أول مرة، يرفع رأسه إلى السماء،
يحمد الله على النور الذي عاد لقلبه.
لكن… عند أول ناصية، أحس بخفقةٍ غريبةٍ في صدره. التفت حوله، فرأى امرأةً بعيدةً تمشي بعكازٍ رماديٍّ مائل، تشبهها، لكنها لا تلتفت.
توقف، تردّد، ثم ابتسم ابتسامةً صغيرة وقال في نفسه:
ـ حتى لو كانت هي… فلن أخاف بعد الآن.
ثم مضى.
لكن أحد المارة أقسم أنه سمع من بعيد ضحكةً أنثويةً عميقةً تتردد بين الجدران، وضوءًا رماديًا خافتًا يتلاشى عند نهاية الشارع…
كأن أحدهم أُذن له بالرحيل أخيرًا.
أما الشيخ، فكان بعد صلاة الفجر في اليوم التالي يذكر سامي في دعائه، ويقول في سرّه:
ـ اللهم اجعل يقينه خيرًا من خوفه…
واغفر له ما عاشه بين الوهم والحقيقة.
وفي النهاية، لا أحد يعلم هل مات سامي فعلاً أم لا…
لكن المؤكد أن معظمنا يعيش كما عاش هو: نؤجل الحياة خوفًا من الموت،
ثم نفاجأ أننا فقدنا الاثنين معًا.
والعجوز؟ ربما كانت الشيطان…
أو ربما كانت مجرد مرآةٍ رأى فيها سامي نفسه أو هي مجرد هلوسة.
في كل الأحوال،
القَدَر لا يقرأ الكف،
لكنه أحيانًا يحب أن،
.. يسخر منا قليلًا.
