نجده محمد رضا
في زمنٍ تتسارع فيه العلاقات وتتبدّل فيه الوجوه والمواقف، يظلّ الإنسان محتاجًا إلى ميزانٍ داخلي يفرّق به بين ما يجب منحه وما يجب الحذر منه. ولعلّ أكثر المفاهيم التباسًا في تعاملاتنا اليومية هو الخلط بين الطيبة وحسن النيّة فهما صفتان متجاورتان في المعنى، لكنّ نتائجهما على أرض الواقع قد تكون مختلفة تمامًا.
الطيبة… شعورٌ فِطري ينعكس في السلوك
الطيبة ليست موقفًا عابرًا، بل طبيعة متجذّرة في الشخصية. هي قدرة على التعاطف، واستعداد فطري لمساعدة الآخرين، وانحياز دائم للخير دون انتظار مقابل.
الإنسان الطيّب غالبًا ما ينظر إلى العالم بعينٍ رحيمة، فيبادر بالعطاء ويُحسن الظنّ بالناس، لكنّه في كثير من الأحيان قد يتعرّض للاستغلال إذا لم يَزِن الطيبة بالحكمة.
حسن النيّة… موقف عقلي لا علاقة له بالضعف
أما حسن النيّة فهو تقدير عقلي يقوم على افتراض الخير في الآخر، لكنه لا ينفي الحذر ولا يمنع الإنسان من إدراك حدود الواقع.
هو اختيارٌ واعٍ بأن تمنح الشخص فرصة، وأن تفسّر ما صدر عنه بطريقة إيجابية قبل إصدار حكم.
يختلف حسن النيّة عن الطيبة بأنه سلوك مقصود وليس طبعًا دائمًا، وقد يطبّقه الأشخاص الأقوياء كما يطبّقه الهادئون؛ لأنّه يقوم على قاعدة: افترض الخير… ولكن راقب النتائج.
أين يقع الخلط؟
يظنّ البعض أنّ من يحسن النيّة يجب أن يكون طيبًا بالضرورة، وأن الطيبة تعني دومًا حسن نيّة، والحقيقة أن الفارق شاسع.
فالإنسان الطيّب قد يثق بسهولة ويتسامح بلا حدود، بينما صاحب حسن النيّة قد يسامح مرة، لكنه لا يكرّرها إذا لمس سوءًا.
الطيبة صفة قلبية، أما حسن النيّة فهو قرار ذهني تحكمه التجارب والمعرفة.
متى تتحوّل الطيبة إلى سذاجة؟
تتحوّل الطيبة إلى نقطة ضعف حين تمنع الإنسان من رؤية الواقع كما هو، أو حين تدفعه لتكرار الأخطاء ذاتها رغم الدلائل الواضحة.
أما حسن النيّة فهو لا يساوي الغفلة؛ لأن صاحبه يدرك أنّ لكل إنسان جانبًا مظلمًا، لكنه يختار البداية من منطقة النور.
مجتمعٌ لا يفرّق… مجتمعٌ يلوم الضحية
ما زالت ثقافتنا العربية تميل إلى معاتبة الطيّب عندما يُخدع، وتحمّل صاحب حسن النيّة مسؤولية خطأ لم يقترفه.
ولعلّ أهم ما نحتاجه اليوم هو إعادة تعريف هذه المفاهيم، بحيث يصبح العطاء مرتبطًا بالبصيرة، والثقة مشروطة بالتجربة، والرحمة مقرونة بالحدود.
الطيبة تلمس القلب…
وحسن النيّة يضبط العقل…
والمجتمع الناضج هو الذي يجمع بينهما دون أن يسمح لأيٍّ منهما أن يجرّه نحو الضعف أو العمى العاطفي.
