بقلم السيد عيد
مانراه ليس دائمًا هو الحقيقة… وما نلمسه بأيدينا قد لا يكون إلا قشرةً فوق جوهرٍ لا تصل إليه الحواس. فالعين تخدع، والأذن تكذب، واليد توهم… والنفس تُجمِّل وتُقَبِّح حسب هواها، حتى يغدو العالم مسرحًا كبيرًا تمثل فيه الحقائق أدوارًا ليست لها.
نرى الطائرة في السماء كأنها تمشي ببطء، مع أنها تشق الهواء بسرعة الرعد. ونرى النجم واثقًا في مكانه، ساكنًا لا يتحرك، بينما هو يجري في الفضاء بسرعة لا تطيق العقول تصورها. ونحسب الليل سكونًا، وهو في الحقيقة امتلاءٌ بالأصوات والنبضات والولادات الخفية التي لا نسمعها.
نلمس الماء فنراه طيعًا لينًا، مع أنه في قوته يستطيع أن يشق الصخور. ونلمس الزجاج فنطمئن إلى صلابته، وهو في داخله هشّةٌ تكسرها قبضة طفل. كل شيءٍ في الوجود يقدّم نفسه لنا بصورةٍ غير صورته، وبلغةٍ غير لغته… كأن الحقيقة تحب التخفي، وتكره أن تُضبط متلبسة.
حتى البشر… نحن أكثر الأشياء زيفًا أمام أنفسنا. نبتسم لنخفي خوفًا، ونغضب لنداري ضعفًا، ونقسو لنثبت أننا أقوياء، مع أننا في أعماقنا نبحث عن ذراع حانية تطمئننا. كم من كلمة حسبناها صدقًا خرجت من فمٍ يرتجف بالكذب؟ وكم من قسوة ظنناها حقدًا كانت هي عين الحب الذي ضلّ الطريق؟ وكم من حضن بدا لنا دفئًا تبيّن أنه فخّ؟ وكم من خيانةٍ بدت صدمة، فإذا بها جرح قديم في نفسٍ لم تُشفَ؟
وفي المجتمع… تُصاغ الحقائق مثل العجين. الصحف تكتب ما يرضي، والناس تصدق ما يريح، والسلطة تمحو وتضيف، والتاريخ يختار من الذاكرة ما يناسب لحظته. فيتحول الحق إلى وجهٍ متعدد الملامح، يبتسم لمن يريد، ويعبس لمن يريد، ويخفي ما لا يريد أحد أن يراه.
أما القلب… فهو أكثر الأماكن ظلمًا للحق. يُلبس أنانيته رداء الحب، ويزين شهواته باسم الحرية، ويخفي خوفه تحت لافتة الحكمة. نقول إننا نطلب العدل، ونحن في الحقيقة نطلب الانتقام. ونزعم أننا نبحث عن الحقيقة، ونحن في الواقع نبحث عمّا يؤكد رأينا.
من يستطيع أن يجزم بأنه عرف الحقيقة؟
ومن يجرؤ أن يقول إنه فهم نفسه؟
نحن نمشي في الحياة معصوبي العيون، نبحث في الظلام عن ضوء، فإذا لمع ضوءٌ صغير ظنناه الشمس. وإذا لاحت فكرةٌ عابرة حسبناها يقينًا لا شك فيه.
الحقيقة ليست حجرًا نمسكه، ولا بابًا نطرقه، ولا طريقًا نمشيه. الحقيقة لحظةُ صفاءٍ نادرة، تتجلى حين نعترف بجهلنا، حين نسكت عن الضجيج الذي نخلقه في عقولنا، وحين ندرك أن المعرفة ليست في الجواب بل في السؤال.
لو عرف كلٌ منا أنه لا يعرف…لانطفأت النار في قلوب المتعصبين،وتصافحت الآراء بدل أن تتصارع،وتحولت الحياة من معركة إلى رحلة، ومن خصومة إلى صحبة،ومن جدار إلى نافذة.
متى نعرف أننا لا نعرف؟حين نصغي…وحين نتواضع…
وحين نتوقف عن الظن بأن العالم يدور حول أفكارنا.
وقتها فقط… تبدأ الحقيقة في الظهور.
