كتب م / رمضان بهيج
* البحث عن الغصن القوي: فطرة الأمان بين الإنسان والقرد *
إنَّ الطبيعة تحمل في طياتها دروسًا بليغة، ويُعدُّ سلوك القرد في اختيار غصن قوي للتسلُّق مثالًا رمزيًا عميقًا يستحقُّ التأمُّل. فالقرد، بدافعٍ فطري غريزي، يسعى خلف الأمان والاستدامة، مُتجنِّبًا الأغصان الهشَّة التي قد تودي به إلى السقوط. ومن هذا المنطلق، فمن المنطقي أن نعتبر سلوك القرد أسوةً للإنسان في سعيه إلى الاستقرار والأمان في الحياة، وليس العكس.
يجب على الإنسان، المخلوق المُزوَّد بالعقل والإرادة، أن يجعل البحث عن الغصن القوي هو المبدأ الأساسي في حياته. هذا الغصن يُمثِّل الأسس السليمة والمستدامة التي يُبنى عليها مستقبله: العمل الجاد، التخطيط المُحكَم، الأخلاق القويمة، والعلاقات السليمة.
أغصان واهية ومسارات مُضلِّلة ”
إلا أننا نشهد، وللأسف، تهافت بعض البشر على “أغصان ضعيفة وهمية” ظنًا منهم أنها ستوفر لهم سُلَّمًا سريعًا للنجاح أو السعادة المؤقتة. هذه الأغصان لا تقوى على حمل ثقل طموحاتهم ووجودهم، بل هي زائلة ومحفوفة بالمخاطر، ومن أبرز أمثلتها:
* غصن المُخدِّرات والإدمان: يراه البعض وسيلةً للهروب المؤقت من الواقع أو وسيلةً لشراء سعادة زائفة. وسرعان ما يكتشف المُتسلِّق هشاشة هذا الغصن، حيث يتحول الأمان المزعوم إلى هاوية من المرض والضياع، والسقوط هنا مدوٍ ومؤلم على الصعيدين الجسدي والنفسي.
* غصن المكاسب السريعة والطرق الملتوية: يتمثَّل هذا في السعي وراء الثراء الفاحش غير المشروع، أو الغش، أو صعود سلَّم الشهرة على حساب المبادئ. هذا الغصن قد يوفر مكسبًا عاجلًا، ولكنه لا يمتلك الجذور اللازمة للاستمرار. ومع أول رياح للتحدي أو انكشاف للحقيقة، يكون مصير المُتسلِّق هو السقوط المُخزي، وضياع السمعة، وربما المساءلة القانونية.
* غصن العلاقات السطحية والمزيفة: الاعتماد على أشخاص غير موثوق بهم أو بناء شبكة علاقات على المصالح الوقتية فقط. هذا النوع من الدعم هشٌّ وينهار عند الحاجة الحقيقية، تاركًا الفرد وحيدًا يواجه صعابه.
” كيف نبني غصنًا قويًا؟
إنَّ الغصن القوي الذي يجب أن يسعى إليه الإنسان هو ذلك الذي يُقام على دعائم الاستثمار طويل الأمد في الذات والحياة. وهو ما يتمثَّل في:
* التعليم والخبرة: قضاء الوقت في تعلُّم مهارة حقيقية وإتقانها، بدلًا من البحث عن حلول سريعة.
* العمل الدؤوب والمشروع: تأسيس مسيرة مهنية شريفة وبنائها خطوة بخطوة، مع تحمل الصعاب، لضمان استمرارية النجاح.
* النزاهة والمبادئ: اتخاذ الأخلاق والقيم أساسًا لكافة التعاملات، فالنزاهة هي الدرع الذي يحمي من السقوط.
في الختام، إنَّ درس القرد بسيط وعميق: الأمان هو الأولوية. يجب على الإنسان أن يُدرك أنَّ التسلق على غصن مُزخرف ولكنه هشٌّ لن يؤدي إلا إلى السقوط. الفطرة السليمة تدعونا إلى البحث عن القوة الحقيقية، والثبات، والاستدامة، لنضمن رحلة آمنة ومُثمرة نحو قمم النجاح الحقيقي.
