بقلم : جمال حشاد
حينما كنت اعمل مديرا باحدى الادارات التعليمية وجدت أن التطور التكنولوجي المتسارع وخاصة فى المؤسسات التعليمية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي بعامة، جعل من العالم قرية صغيرة يتفاعل فيها الأفراد بلا حدود زمانية أو مكانية. ورغم الإيجابيات الكبيرة التي أتاحتها هذه الوسائل في تسهيل التواصل وتبادل المعرفة، برزت في المقابل ظواهر اجتماعية سلبية لم تكن معروفة بهذا الاتساع من قبل، ويأتي في مقدمتها التنمر الإلكتروني بوصفه أحد أخطر التحديات الاجتماعية في العصر الحديث.
يُعرَّف التنمر الإلكتروني بأنه سلوك عدواني متكرر يُمارَس عبر الوسائط الرقمية مثل مواقع التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المراسلة، والألعاب الإلكترونية، بهدف إيذاء شخص آخر نفسيًا أو اجتماعيًا. ويتخذ هذا التنمر أشكالًا متعددة، منها السخرية، والتشهير، ونشر الشائعات، والتهديد، وانتهاك الخصوصية، ونشر الصور أو المعلومات الشخصية دون إذن. وتزداد خطورة هذا النوع من التنمر بسبب سهولة انتشاره وسرعته، إضافة إلى إمكانية إخفاء هوية المتنمر، مما يشجعه على التمادي دون خوف من المحاسبة.
وتُعد فئة الأطفال والمراهقين الأكثر تأثرًا بالتنمر الإلكتروني، نظرًا لاستخدامهم المكثف للإنترنت وقلة خبرتهم في التعامل مع مخاطره. وقد يؤدي التعرض المستمر للتنمر إلى آثار نفسية خطيرة، مثل القلق، والاكتئاب، وفقدان الثقة بالنفس، والعزلة الاجتماعية، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى التفكير في إيذاء النفس أو الانتحار. ولا يقتصر الضرر على الضحية وحدها، بل يمتد ليؤثر في الأسرة والمجتمع ككل، إذ يهدد الاستقرار النفسي ويضعف العلاقات الإنسانية القائمة على الاحترام والتسامح.
وتتعدد أسباب انتشار التنمر الإلكتروني، من أبرزها ضعف الوعي الرقمي والأخلاقي، وغياب الرقابة الأسرية، وسوء استخدام الحرية التي توفرها المنصات الرقمية. كما يسهم الفراغ، والرغبة في لفت الانتباه، وتقليد السلوكيات السلبية المنتشرة على الإنترنت، في تعزيز هذه الظاهرة. ولا يمكن إغفال دور بعض المحتويات الإعلامية التي تروّج للعنف اللفظي والسخرية، مما يجعلها سلوكًا مقبولًا لدى البعض.
ولمواجهة التنمر الإلكتروني، لا بد من تضافر الجهود بين مختلف مؤسسات المجتمع. فالأسرة تقع عليها مسؤولية أساسية في تربية الأبناء على القيم الأخلاقية، وتعزيز الحوار المفتوح معهم، ومتابعة استخدامهم للتقنيات الحديثة دون قمع أو إهمال. كما تلعب المدرسة دورًا محوريًا من خلال إدراج التوعية الرقمية ضمن المناهج الدراسية، وتنظيم برامج إرشادية تعزز ثقافة الاحترام وقبول الآخر.
ومن جانب آخر، يجب على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي أن تتحمل مسؤوليتها في الحد من هذه الظاهرة، عبر وضع سياسات صارمة للإبلاغ عن الإساءة، وحذف المحتوى المسيء، وتوعية المستخدمين بحقوقهم وواجباتهم الرقمية. كما يُعد سنّ القوانين الرادعة وتفعيلها خطوة ضرورية لحماية الضحايا ومحاسبة المتنمرين، بما يضمن بيئة رقمية أكثر أمانًا.
ويمكن القول إن التنمر الإلكتروني فى الوسائل التعليمية ليس مجرد مشكلة فردية، بل هو قضية اجتماعية معاصرة تتطلب وعيًا جماعيًا وحلولًا شاملة. فالعالم الرقمي، رغم اتساعه، يجب أن يبقى مساحة إنسانية قائمة على الاحترام والمسؤولية. ولن يتحقق ذلك إلا بنشر الوعي، وتعزيز القيم الأخلاقية، واستخدام التكنولوجيا استخدامًا إيجابيًا يخدم الإنسان ويصون كرامته.

2 تعليقات
@ مقال مواكب للعصر الذى نعيشه .. أرجو الجميع من زملائى وغيرهم يقرأه ويستفيد به .. واشكركم جزيلا
@ مقال مواكب للعصر الذى نعيشه .. واشكركم جزيلا