د.نادي شلقامي
في تاريخ الأمة العربية، برزت شخصيات لم تكن مجرد أسماء عابرة، بل كانت محطات تحول حقيقية في مسار الثقافة والوعي. نحن اليوم أمام قمتين؛ جبران خليل جبران، الفيلسوف الذي طوع اللغة العربية والإنجليزية لخدمة الروح الإنسانية، وزكريا أحمد، شيخ الملحنين الذي جعل من النغم لسان حال الشعب ومدرسة للطرب الأصيل. هذا التقرير يستعرض مسيرة الإبداع من المهد إلى الخلود.
أولاً: جبران خليل جبران (نبي المهجر)
1- المولد والنشأة
— المولد: ولد في 6 يناير 1883 في بلدة بشرّي بشمال لبنان.
— النشأة: نشأ في أسرة فقيرة، وهاجر مع والدته وإخوته إلى الولايات المتحدة (بوسطن) عام 1895، بينما بقي والده في لبنان. هذه النشأة بين الشرق الروحاني والغرب المادي شكلت جوهر فكره المتصوف والتمردي.
2- مؤلفاته وإرثه الأدبي
جبران كان ثنائياً في لغته، فكتب بالعربية والإنجليزية:
— بالعربية: (الأرواح المتمردة، الأجنحة المتكسرة، العواصف، المواكب).
— بالإنجليزية: (النبي – وهو أشهر كتبه وعالمي الانتشار، المجنون، رمال وزبد).
–الفن التشكيلي: كان رساماً بارعاً، واستخدم لوحاته لتعكس فلسفته العميقة.
3 تأثيره في المجتمع
— أسس “الرابطة القلمية” في نيويورك، والتي أحدثت ثورة في الأدب العربي وحررته من القوالب القديمة.
— نادى بالحرية، وهاجم الجمود الديني والاجتماعي، ودعا إلى المحبة الكونية.
4- الجوائز والتكريم
في حياته لم يسعَ للجوائز الرسمية، لكن تكريمه الحقيقي جاء بعد وفاته:
— تحول منزله في بشرّي إلى “متحف جبران”.
— أقيمت له تماثيل في واشنطن، باريس، وبيروت.
— يُعد كتابه “النبي” من أكثر الكتب مبيعاً وترجمة في التاريخ بعد الكتاب المقدس.
5- الوفاة
توفي في نيويورك في 10 أبريل 1931 عن عمر يناهز 48 عاماً بسبب تليف الكبد والسل، ونُقل جثمانه لاحقاً ليدفن في مسقط رأسه ببشرّي بناءً على وصيته.
ثانياً… الشيخ زكريا أحمد (شيخ الملحنين)
1- المولد والنشأة
— المولد: ولد في 6 يناير 1896 (من مفارقات القدر أنه ولد في نفس يوم ميلاد جبران) بمدينة القاهرة.
— النشأة: والده كان حافظاً للقرآن، فنشأ زكريا في بيئة دينية وتعلم في الأزهر الشريف، مما منحه تمكناً كبيراً في مخارج الحروف واللغة، قبل أن يتجه لعالم الموسيقى والتلحين.
2- مؤلفاته وإبداعه الموسيقي
— الألحان المسرحية: قدم ألحاناً لأكثر من 65 أوبريت ومسرحية غنائية.
— مع أم كلثوم: شكل معها ومع الشاعر بيرم التونسي مثلثاً عبقرياً، ومن أشهر ألحانه لها: (أنا في انتظارك، أهل الهوى، الورد جميل، حلم، والأمل).
–السينما: وضع ألحان العديد من الأفلام المصرية الكلاسيكية.
3- تأثيره في المجتمع
— يُعتبر رائد “الموسيقى الشعبية الراقية”؛ حيث استطاع دمج روح الحارة المصرية بالأصول العلمية للمقامات الموسيقية.
— حافظ على الهوية الشرقية للموسيقى العربية في مواجهة التغريب.
4- الجوائز والتكريم
— كُرم في المحافل الفنية المصرية والعربية كأحد أعمدة النهضة الموسيقية.
— أُطلق اسمه على شوارع ومؤسسات فنية تقديراً لدوره في صياغة الوجدان المصري.
5- الوفاة
رحل عن عالمنا في 14 فبراير 1961، تاركاً إرثاً موسيقياً لا يزال يُدرس حتى اليوم في المعاهد الموسيقية، بوصفه “المعلم” الذي لم يتكرر.
وختاما…فإن الحديث عن جبران خليل جبران وزكريا أحمد هو حديث عن “القوة الناعمة” التي شكلت وعي الإنسان العربي في القرن العشرين. جبران حرر العقول بالكلمة، وزكريا أحمد هذّب النفوس بالنغم. كلاهما أثبت أن الفن الحقيقي هو الذي يتجاوز حدود الزمن والجغرافيا ليبقى ملكاً للإنسانية جمعاء.
