د.نادي شلقامي
لم يكن التاسع من يناير عام 1960 مجرد تاريخٍ عابر في مفكرة الزمن، بل كان ميلاداً ثانياً للدولة المصرية الحديثة. حين وقف الزعيم جمال عبد الناصر في قلب أسوان ليضع حجر الأساس للسد العالي، لم يكن يضع كتلة من الجرانيت فحسب، بل كان يغرس إرادة شعبٍ قرر أن يطوع النهر الخالد لصالح أحلامه، متحدياً قوى الاستعمار وحصار التمويل. إننا اليوم، وبعد مرور 66 عاماً، لا نحتفل بجدارٍ هندسي صمّام، بل نحتفل بمعجزةٍ مصرية صاغتها سواعد العمال بدمائهم وعرقهم، لتكون “الهرم الرابع” الذي لم يُبْنَ لدفن الملوك، بل لبعث الحياة في جسد الأمة وحمايتها من غدر الطبيعة وتقلبات السياسة.
أولا..التخطيط والدوافع: لماذا فكر جمال عبد الناصر في السد؟
بعد ثورة 1952، أدرك الرئيس جمال عبد الناصر أن النهضة الشاملة لمصر لن تتحقق دون تأمين مائي وكهربائي. كانت الدوافع تتلخص في:
1- السيطرة على النيل: حماية مصر من خطر الفيضانات العالية التي كانت تدمر القرى، ومن سنوات الجفاف التي كانت تهدد المحاصيل.
2- التوسع الزراعي: الرغبة في تحويل مساحات شاسعة من الصحراء إلى أراضٍ زراعية منتجة.
3- الثورة الصناعية: الحاجة الماسة لمصدر طاقة رخيص ومستدام لتشغيل المصانع الكبرى (مثل مصانع الحديد والصلب والألومنيوم).
ثانيا…المعركة السياسية والتمويل:
بدأ التخطيط بمفاوضات مع البنك الدولي، لكن الضغوط السياسية وسحب عرض التمويل من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا دفعا عبد الناصر لتأميم قناة السويس عام 1956 لتوفير التمويل، ثم التعاون مع الاتحاد السوفيتي الذي قدم القروض والخبرات الفنية اللازمة.
ثالثا…التكلفة والأرقام الهندسية
1- التكلفة المالية: بلغت تكلفة البناء الإجمالية حوالي 450 مليون جنيه مصري (بأسعار ذلك الوقت).
2- العمالة: شارك في بنائه نحو 34 ألف عامل ومهندس مصري، استشهد منهم المئات خلال العمل في ظروف بيئية صعبة.
3- المواصفات: يبلغ طول السد 3830 متراً، وارتفاعه 111 متراً فوق قاع النهر، بينما يبلغ عرض القاعدة 980 متراً.
رابعا…ماذا قدم السد العالي لمصر؟ (الإيجابيات)
يُعتبر السد العالي الركيزة الأساسية للاقتصاد المصري الحديث، وأهم إيجابياته:
1-حماية مصر من الكوارث: أنقذ مصر من سنوات الجفاف العجاف (خاصة في الثمانينيات) ومن فيضانات مدمرة كانت كفيلة بإغراق الدلتا.
2- زيادة الرقعة الزراعية: سمح بتحويل “ري الحياض” إلى “ري مستديم”، مما أتاح زراعة الأرض أكثر من مرة في السنة، واستصلاح حوالي 2 مليون فدان.
3- توليد الطاقة الكهرومائية: أنتج السد طاقة تصل إلى 10 مليار كيلووات/ساعة سنوياً، مما أنار قرى مصر وشغّل قلاعها الصناعية.
4- الثروة السمكية: تكوّنت خلفه “بحيرة ناصر”، وهي واحدة من أكبر البحيرات الصناعية في العالم، وتعتبر مصدراً استراتيجياً للأسماك.
5- تحسين الملاحة: أدى تنظيم تدفق المياه إلى تحسين الملاحة النهرية طوال العام.
خامسا…التحديات والآثار الجانبية
بكل أمانة علمية، كان للمشروع بعض الآثار التي عملت الدولة على معالجتها:
1 حجز الطمي: منع السد وصول الطمي الطبيعي للدلتا، مما استلزم التوسع في استخدام الأسمدة.
2- التهجير: تطلب المشروع نقل أهل النوبة الكرام إلى مناطق جديدة، ونقل معابد أثرية (مثل أبو سمبل) بالتعاون مع اليونسكو.
“في الختام، سيبقى السد العالي حكاية صمود ترويها الأجيال، وشاهداً حياً على أن مصر حين تقرر، فإنها تفرض واقعاً جديداً يغير مجرى التاريخ. لقد أثبتت العقود الستة الماضية أن رؤية جمال عبد الناصر كانت استشرافاً للمستقبل؛ ففي حين تتصارع الدول اليوم على قطرة المياه، تقف مصر مستندة إلى “درع النيل” الذي أمّن وجودها. إن السد العالي ليس مجرد مشروعٍ للري والكهرباء، بل هو رمزٌ للسيادة الوطنية ودرسٌ بليغ في أن التنمية هي معركة كرامة قبل أن تكون أرقاماً اقتصادية. سيبقى السد شامخاً كشموخ الجبال، يذكرنا دائماً بأن المصريين إذا أرادوا.. استطاعوا.”
