بقلم : أحمد رشدى
الثقافة العربية ليست مجرد تراث محفوظ في الكتب أو عادات تتناقلها الأجيال،
بل هي نسيج حي تشكّل عبر قرون طويلة من التفاعل بين اللغة والدين والتاريخ والجغرافيا. إنها هوية جامعة صنعت وجدان الإنسان العربي، ومنحته شعورًا بالانتماء،
وربطته بماضيه دون أن تعزله عن محيطه الإنساني الأوسع.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات الفكرية والتكنولوجية، تبرز مسألة الهوية الثقافية بوصفها سؤالًا وجوديًا يتجاوز حدود النقاش النظري إلى صميم الحياة اليومية.
لقد لعبت اللغة العربية دورًا محوريًا في تشكيل هذه الهوية، فهي الوعاء الذي حفظ الذاكرة، ونقل المعرفة، وعبّر عن القيم والرؤى.
ومن خلال الأدب والشعر والفكر، استطاعت الثقافة العربية أن تترك بصمتها في الحضارة الإنسانية، وأن تقدم نموذجًا للتفاعل الخلاق بين العقل والنقل، وبين الأصالة والانفتاح.
غير أن هذا الإرث الثري يواجه اليوم تحديات حقيقية، في ظل العولمة المتسارعة، وتراجع الاهتمام بالثقافة لصالح الاستهلاك السريع والصورة العابرة.
والهوية الثقافية العربية ليست كيانًا جامدًا يخشى التغيير، بل هي منظومة مرنة قادرة على التجدد إذا ما أُحسن التعامل معها. فالتجدد لا يعني الذوبان، والانفتاح لا يعني التفريط، وإنما يعني القدرة على استيعاب الجديد وإعادة صياغته بما يتوافق مع القيم الأساسية للمجتمع.
والتاريخ العربي نفسه شاهد على فترات ازدهار كبرى حدثت حين التقت الثقافات وتفاعلت، لا حين أغلقت الأبواب أو انكفأت على الذات.
إن الحفاظ على الثقافة العربية اليوم مسؤولية مشتركة، تبدأ من التعليم الذي يغرس الاعتزاز بالهوية دون تعصب، وتمر بالإعلام الذي يقدّم نموذجًا واعيًا للثقافة، ولا تنتهي عند الفرد الذي يختار كيف يعبّر عن ذاته وينتمي إلى مجتمعه. فالثقافة ليست شعارات تُرفع، بل سلوك يومي، ووعي جماعي، وقدرة على التمييز بين ما يعزز الهوية وما يفرغها من معناها.
وفي خضم هذا التحول العالمي، تبقى الثقافة العربية قادرة على البقاء والتأثير، ما دامت تستند إلى لغتها، وتحترم تنوعها، وتؤمن بأن الهوية الحقيقية لا تُصان بالخوف من الآخر، بل بالثقة في الذات.
وهكذا تظل الثقافة العربية ذاكرة أمة، وبوصلتها نحو المستقبل، وجسرها الذي يربط بين جذور ضاربة في التاريخ وآفاق مفتوحة على العالم.
