كتب م / رمضان بهيج
أصعب المعارك هي تلك التي لا يسمع ضجيجها أحد، معركة الإنسان مع نفسه حين تضطره الظروف أن يكون “الكبير”. أن تكون الكبير لا يعني مجرد ترتيب في العائلة أو منصب وظيفي، بل يعني أن تكون المصدّ الأخير لكل الصدمات.
قدرُ الكبير:
أن تكون السقف حين يتهاوى كل شيء
يقال إن “الكبير” هو من يحمل الحقيبة الأثقل، لكن الحقيقة أن الكبير هو من يحمل الخوف الأصعب. هو ذلك الشخص الذي لا يملك رفاهية الانهيار، لأنه يعلم يوماً بعد يوم أن سقوطه يعني سقوط كل من يستندون إليه.
مواجهة النفس: المرآة القاسية
أصعب ما في هذا الدور ليس مواجهة المشاكل الخارجية، بل تلك اللحظة التي تنفرد فيها بنفسك. حين تنظر في المرآة وتواجه تعبك، شكوكك، وهشاشتك التي تخفيها خلف قناع القوة. تسأل نفسك: “إلى متى يجب أن أكون قوياً؟” لكنك لا تجد إجابة سوى صدى مسؤولياتك.
المسؤولية الكاملة…….أن تكون الكبير يعني:
أن تبتلع غصتك لكي يبتسم الآخرون.
أن تكون “حلال المشكلات” حتى وأنت غارق في مشكلاتك الخاصة.
أن تتحمل مسؤولية قراراتك، وقرارات غيرك، وتبعات القدر الذي وضعك في المقدمة.
“الكبير ليس من يملك السلطة، بل من يملك الصبر على احتواء الجميع، ومن يجد نفسه وحيداً في مواجهة العاصفة لكي يظل البيت دافئاً.”
أنت كبير ….
أنت تواجه العالم وتواجه نفسك، وهذا بحد ذاته بطولة صامتة. تذكر أن القوة لا تعني عدم الشعور بالألم، بل تعني الاستمرار رغم وجوده. لكن حتى “الكبير” يحتاج من وقت لآخر أن يضع أحماله ويستريح، فلا تقسُ على قلبك كثيراً ..
قانون الحياة…
في قانون الحياة، هناك دائماً شخصٌ يُكتب عليه أن يكون “السقف”؛ ذاك الذي يتلقى ضربات المطر وحده، ليمنح من تحته دفء الأمان. أن تكون أنت “الكبير”، يعني أنك وقّعت عقداً غير مكتوب مع التضحية، حيث لا يحق لك أن تئن، ولا يُسمح لدموعك أن تتجاوز حدود عينيك.
اصعب اللحظات …
أصعب اللحظات ليست حين يهاجمك العالم، بل حين تختلي بنفسك في هزيع الليل الأخير. هناك، تسقط كل الأقنعة وتواجه تلك “النفس” المتعبة. تلومك أحياناً على صمتك، وتعاتبك أحياناً على حمولٍ فاقت طاقتك، لكنك في النهاية تُسكتها بكلمة واحدة: “لا بديل عني”.
الضريبة …
إنها ضريبة الوقوف في الصفوف الأولى؛ حيث تضطر لترميم انكسارات الآخرين بينما جروحك لا تزال تنزف، وتُطالب بالحكمة في وقتٍ يغلي فيه صدرك بالحيرة. تكتشف أن أصعب المواجهات ليست مع الظروف، بل مع قوة إرادتك التي تأمر قلبك أن يظل صامداً كالجبل، بينما هو في الحقيقة يرتجف كالورقة.
أنت الكبير…
لا لأنك الأقوى، بل لأنك الأكثر قدرة على احتواء الخوف، والأكثر صبراً على “المواجهة” حين ينسحب الجميع. فسلامٌ على تلك الأكتاف التي لا تنحني، وعلى القلوب التي تواجه كل شيء، حتى تعبها، ليبقى بيت الآخرين قائماً.
استراحة “السند”
يظنونك جبلاً، والجبال في عرفهم لا تَميل ولا تشتكي. ينسون أن هذا الثبات الذي يبهرهم ليس إلا صبراً مُرّاً، وأن هذا الظهر الذي يسندون عليه أثقالهم يحتاج هو الآخر لمُتّكأ.
حتى “الكبير” يا صديقي، يمر عليه وقتٌ يشعر فيه بضيق الثياب على روحه، يملُّ من دور البطولة، ويتمنى لو يصبح لمرة واحدة “الطرف الضعيف”. يبحث عن زاوية دافئة، أو صدرٍ رحبٍ لا يحاكم تعبه، يضع عليه رأسه المثقلة بالتدابير والهموم، ويغمض عينيه دون خوف من سقوط العالم من بعده.
فلا بأس أن تنحي درعك جانباً، ولا بأس أن تعترف بأنك مُتعب. فالقلب الذي يحتوي الجميع، من حقه أن يجد من يحتويه، واليد التي تمسح دموع الآخرين، تستحق يداً تمسك بها وتقول: “ارتح قليلاً، أنا هنا”.
خلف كل شخص يراه الناس “كبيراً” أو “سنداً” تكمن روحٌ متعبة تتوق للحظة تخلي واحدة عن كل تلك المسؤوليات.
