أجرى الحوار: م. رمضان بهيج
في عالم الطب، حيث تتجلى أسمى معاني الرحمة، نلتقي اليوم بشخصية طبية استثنائية، لم يكتفِ بالعلم وسيلة للعلاج، بل جعل من الإنسانية منهجاً وشعاراً. هو الدكتور محمد شاهين؛ استشاري ورئيس قسم الكلى بمستشفى جمال عبد الناصر (التأمين الصحي)، والمستشفى القبطي، ومستشفى الإسكندرية الدولي. طبيب بدرجة “إنسان” يدرك أن المريض روح تحتاج للطمأنينة قبل الدواء.
س: دكتور محمد، نرحب بك. في البداية، كيف تصف فلسفتك الخاصة في التعامل مع مريض الكلى تحديداً؟
د. محمد شاهين: أهلاً بك. مريض الكلى حالة خاصة جداً؛ فمرضه مزمن ويلازمه لفترات طويلة، وهذا يتطلب صبراً ودعماً نفسياً مستمراً. فلسفتي بسيطة: المريض ليس مجرد “حالة طبية” أو رقم في سجل، بل هو إنسان يبحث عن الأمان. إذا شعر المريض بالراحة النفسية، فقد قطعنا نصف طريق العلاج.
س: ذكرت لي قبل قليل أن “الجانب الإنساني أهم بكثير من الجانب الطبي”، لماذا تركز على هذا المبدأ؟
د. محمد شاهين: لأن الطب في جوهره رسالة مقدسة لا مهنة لكسب العيش فقط. الكفاءة العلمية إذا لم تقترن بالرحمة تظل ناقصة. الكلمة الطيبة واللمسة الحانية قد تفوق في تأثيرها أحدث العقاقير الطبية، وهذا ما أحاول زرعه في نفوس زملائي وتلاميذي.
س: يلاحظ الجميع اهتمامك الفائق بفئة كبار السن، ما السر وراء هذا التقدير الخاص؟
د. محمد شاهين: كبار السن هم أصحاب الرحلة الطويلة والفضل في مجتمعنا، والتعامل معهم بوقار واحترام هو رد لجميلهم. في عيادتي وقسمي، أتعامل معهم بتقدير يعكس نبل أصولنا، فالمريض المسن يحتاج أن يشعر بأنه “مُقدر” وليس عبئاً، وهذا يرفع من روحه المعنوية بشكل مذهل.
س: المصطلحات الطبية المعقدة غالباً ما تثير رهبة المرضى، كيف تكسر هذا الحاجز؟
د. محمد شاهين: التواصل الفعال هو المفتاح. أحرص دائماً على تبسيط المعلومات وشرح الحالة للمريض بوضوح وبلغة يفهمها، بعيداً عن التعقيد الأكاديمي. عندما يفهم المريض طبيعة مرضه، يختفي الخوف ويحل محله التعاون والثقة بيني وبينه.
س: من خلال مواقعك القيادية في كبرى مستشفيات الإسكندرية، كيف ترى مستقبل رعاية مرضى الكلى؟
د. محمد شاهين: نسعى دائماً لتطوير المنظومة، لكن التحدي الحقيقي ليس فقط في توفير أحدث الأجهزة، بل في الحفاظ على “إنسانية الرعاية”. هدفي أن يجد كل مريض يدخل مستشفى جمال عبد الناصر أو الإسكندرية الدولي رعاية طبية عالمية مغلفة بروح العائلة والاهتمام الشخصي.
الأسئلة التي تهم مرضى الكلى والمتابعين للشأن الطبي.
س: دكتور محمد، بصفتكم استشارياً ورئيساً لأقسام الكلى، ما هي أكثر الممارسات الخاطئة التي تؤدي إلى تدهور وظائف الكلى لدى المصريين؟
د. محمد شاهين: للأسف، الإفراط في تناول المسكنات (NSAIDs) دون استشارة طبية هو “العدو الخفي” للكلى. يضاف إلى ذلك إهمال ضبط مستويات السكر والضغط لفترات طويلة، والاعتماد على الوصفات العشوائية. الكلى عضو صامت، وغالباً لا يشتكي إلا في مراحل متأخرة، لذا الوعي هو خط الدفاع الأول.
س: يتخوف الكثيرون من كلمة “غسيل كلوي”، متى يقرر الدكتور شاهين أن المريض يحتاج فعلياً للبدء في جلسات الغسيل؟
د. محمد شاهين: نحن لا نلجأ للغسيل إلا كحل أخير لحماية حياة المريض. القرار يعتمد على معادلة eGFR (معدل الترشيح الكبيبي) وظهور أعراض تسمم بولينا لا تستجيب للعلاج الدوائي، أو وجود اضطراب شديد في أملاح الدم. لكن رسالتي للمريض: الغسيل ليس نهاية المطاف، بل هو وسيلة لاستعادة حياتك ونشاطك، ونحن نتدرج في العلاج التحفظي لأطول فترة ممكنة قبل هذا القرار.
س: تترأسون أقسام الكلى في مستشفيات كبرى (كجمال عبد الناصر والإسكندرية الدولي)، كيف تتعاملون مع حالات “الفشل الكلوي الحاد” المفاجئة؟
د. محمد شاهين: حالات الفشل الحاد تتطلب سرعة فائقة ودقة في التشخيص لمعرفة السبب، سواء كان صدمة تسممية، انسداداً، أو تأثراً بالأدوية. نحن نوفر وحدات عناية مركزة متخصصة للكلى (Nephro-ICU) للتدخل الفوري، والحمد لله، الكثير من هذه الحالات تتماثل للشفاء التام وتستعيد الكلى وظائفها إذا تم التدخل في الوقت المناسب.
س: يتردد مؤخراً الحديث عن علاجات حديثة لمنع تدهور القصور الكلوي المزمن، ما الجديد في هذا الصدد؟
د. محمد شاهين: هناك طفرة حقيقية حالياً، خاصة مع ظهور مجموعات دوائية مثل “مثبطات SGLT2” التي كانت تستخدم للسكر وأثبتت نجاحاً مذهلاً في حماية الكلى حتى لغير مرضى السكر. نحن نطبق أحدث البروتوكولات العالمية في مستشفياتنا لتقليل فرص الوصول إلى المراحل النهائية من الفشل الكلوي.
س: بماذا تنصح مرضى الكلى في ظل التغيرات المناخية أو الصيام في بعض الحالات؟
د. محمد شاهين: النصيحة الذهبية هي “التوازن في السوائل”. المريض يجب ألا يفرط في شرب الماء لدرجة إجهاد الكلى، ولا يقلل لدرجة الجفاف. وبالنسبة للصيام، فالقرار فردي تماماً؛ يجب مراجعة الطبيب لإجراء تحاليل وظائف الكلى قبل رمضان بفترة كافية لتحديد إمكانية الصيام من عدمه بناءً على درجة القصور.
في نهاية لقائنا، لا نملك إلا أن نشكر الدكتور محمد شاهين، هذا النموذج المشرف الذي يذكرنا بأن الطب بخير ما دام هناك قلوب تنبض بالرحمة قبل العلم.
الحديث مع الدكتور محمد شاهين استشارى الكلى لا ينتهى مع وعد استكمال الحوار معة عن أمراض الكلى والحفاظ عليه
حينما ترتقي الإنسانية بروح الطب حوار يجمع بين الكفاءة العلميةو اللمسة الأخلاقية
219
