حوار: د. انتصار غريب
بين أروقة السياسة وتشريعاتها، وبين عمق الفكر وتشعباته، يقف د. ثروت الخرباوي شاهداً على تحولاتتاريخية ومساهماً في صياغة وعي وطني جديد. وهو الكاتب والمفكر الذي امتلك شجاعة المواجهةمبكراً، فكك سر المعبد ببراعة المحامي، وحلل خبايا التنظيمات ببعد المفكر الاستراتيجي. واليوم، ومنتحت قبة مجلس الشيوخ المصري، يواصل الدكتور ثروت الخرباوي معركته من أجل الوعي، ممارسًا دورهالتشريعي برؤية فلسفية لا تنفصل عن هموم الوطن وقضاياه المصيرية.
تبدأ الدكتورة انتصار غريب الحوار بعلاقة د. ثروت الخرباوي بحزب الوفد بعد عودة الأحزاب في عصر السادات. يوضح الخرباوي أن دخوله الوفد لم يكن خيارًا أيديولوجيًا بقدر ما كان التقاءً عارضًا، ففي تلك المرحلة كان عضوا في جماعة الإخوان المسلمين منذ سنوات الدراسة في كلية الحقوق، ويحكي كيف قادته الظروف المهنية للعمل في مكتب أحد كبار المحامين وأقطاب الوفد، الأستاذ محمد علوان، ومن خلاله تعرّف على فؤاد سراج الدين، لتنشأ علاقة سياسية انتهت بانضمامه للوفد وهو في الثانية والعشرين من عمره. ويكشف أن موقعه في تلك المرحلة جعله أحد همزات الوصل غير المعلنة بين الوفد والإخوان، خاصة في انتخابات 1984، حيث كانت التحالفات تُدار بمنطق المصلحة لا المبادئ.
وعن سؤاله عن تاريخ التحالفات بين الإخوان والوفد، يعيد الخرباوي التأكيد على فكرة مركزية: أن جماعة الإخوان لم تنظر يومًا للتحالفات من زاوية وطنية، بل من زاوية ما يحققه التنظيم من مكاسب، وهو ما جعل مواقفها تتبدل بين الخصومة والتقارب مع القوى السياسية المختلفة، بحسب الظرف.
ينتقل الحوار بعد ذلك إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل: نشأة جماعة الإخوان المسلمين. يبدأ الخرباوي بتصحيح ما يصفه بالأخطاء الشائعة في السرد التاريخي، ومنها الادعاء بأن حسن البنا تخرّج في كلية دار العلوم، موضحًا أنه لم يتجاوز مرحلة المدرسة التجهيزية، وأن اختياره المفاجئ للعمل مدرسًا في الإسماعيلية لم يكن بريئًا أو عفويًا.
ويربط الخرباوي بين انتقال حسن البنا إلى الإسماعيلية وبين وجود إدارة أجنبية لشركة قناة السويس، مشيرًا إلى شخصية محورية هي المركيز لويس أنطوان ميركوري، مدير الشركة آنذاك، ورئيس جمعية “المتنورين” في باريس، ذات الصلة الوثيقة بالمحافل الماسونية. ويؤكد أن التمويل الأول لتأسيس الجماعة لم يأتِ من شركة قناة السويس، بل من هذه الجمعية، وهو ما دفع حسن البنا – حسب الخرباوي – إلى تحريف بعض الوقائع في مذكراته خشية انكشاف هذا الارتباط.
وعند سؤال د.انتصار غريب له عن الهدف من تمويل جماعة تحمل اسم الإسلام، يوضح الخرباوي أن المسألة لم تكن دينية، بل سياسية بامتياز، تقوم على استثمار الدين وتوظيفه، خاصة في مرحلة كان الاستعمار فيها يبحث عن وسائل جديدة للسيطرة بعد تنامي الوعي الوطني، لا سيما عقب ثورة 1919.
ويستشهد بتقرير لجنة ميلنر، الذي خلص إلى أن أخطر ما نتج عن الثورة هو تبلور فكرة الانتماء الوطني لدى المصريين، وأن الدين يمكن أن يكون أداة لتفتيت هذا الانتماء من الداخل، ليس عبر صراع طائفي، بل عبر صراع بين “مسلمين ومسلمين”، وهو ما مهّد – وفق هذا التحليل – لفكرة الجماعة التي تزعم احتكار تمثيل الإسلام.
ثم يتطرق الحوار إلى تجربة الخرباوي الشخصية داخل جماعة الإخوان، فيكشف أن عملية الاستقطاب لا تتم دفعة واحدة، بل عبر مراحل طويلة تبدأ بالدين في صورته العاطفية، ثم خطاب المظلومية، ثم الإيهام بأن الجماعة وحدها تمثل “نصرة الإسلام”.ويؤكد أن استهداف الشباب صغار السن كان مقصودًا، لأنهم الأكثر قابلية للتأثر، بينما نادرًا ما تنجح الجماعة في استقطاب من تجاوز الثلاثين.
ويعترف الخرباوي بأن خروجه من الجماعة لم يكن قرارًا لحظيًا، بل نتيجة سنوات من المراجعات الفكرية، حتى جاءت لحظة فاصلة في أوائل التسعينيات، عندما صرّح مأمون الهضيبي علنًا بأن الجماعة “تتعبد لله بالتنظيم السري” وهو ما شكّل صدمة فكرية كبرى بالنسبة له.
يستطرد الخرباوي الحديث عن طبيعة الجماعة: هل هي دعوية أم سياسية؟ فيؤكد أن الشعار ذاته – السيفان والمصحف وكلمة “وأعدوا”– يكشف طبيعتها السياسية الصراعية، لا الدعوية، وأن تاريخها يؤكد انخراطها المبكر في العنف والتنظيم السري، وصولًا إلى الاغتيالات السياسية في الأربعينيات.
ويؤكد أن فهم تاريخ الإخوان لا يكتمل إلا بقراءة دورهم الحقيقي في اللحظات المفصلية من التاريخ المصري، بعيدًا عن السرديات العاطفية أو التبريرات اللاحقة.
ثم بسؤاله عن تأثير تجربة الجماعة على تصوراته عن السياسة: هل ما عايشته داخل الإخوان أعطاك أدوات لفهم السياسة المصرية بطريقة مختلفة؟ ليجيب الخرباوي بأن التجربة، رغم صعوبتها، كانت مدرسة حقيقية: “تعلمت أن السياسة ليست مجرد شعارات أو شعور بالولاء، بل هي مزيج معقد من المصالح، والتحالفات المؤقتة، وفهم اللعبة الداخلية لكل مؤسسة أو تنظيم”.
وأضاف أن العمل داخل مكتب الأستاذ محمد علوان أعطاه أيضًا فرصة لرؤية الجانب العملي للسياسة، حيث تُدار الانتخابات والتحالفات بمنطق الكفاءة والقدرة على التفاوض، وليس بالضرورة بالقيم أو المبادئ. ويشير إلى أنه خلال انتخابات 1984، كان دوره بمثابة همزة وصل بين جماعة الإخوان والوفد، لكنه كان دائمًا يراقب ويحلل بموضوعية، لا مجرد الانصياع للأوامر أو الانخراط العاطفي.
ينتقل الحوار إلى مسألة الهوية الوطنية: “هل شعرت يومًا أن الولاء للجماعة قد يتعارض مع الولاء للوطن؟ يؤكد الخرباوي: أن هذه كانت إحدى اللحظات الحاسمة في مساره الفكري: “حين تبدأ جماعة أو أي تنظيم سياسي في وضع مصالحه فوق مصلحة الوطن، فإن الولاء يصبح مشوّهًا. وهذا ما رأيته بوضوح مع الإخوان؛ التنظيم قبل الدين أو الوطن”.
ثم تتطرق د.انتصار غريب إلى الجانب الإنساني في تجربته: كيف أثرت السنوات على شخصيته وعلاقاته الأسرية والاجتماعية؟ يشارك الخرباوي موقفًا صادقًا: “هناك ثمن كبير يدفعه أي شخص يلتزم بتنظيم سياسي أو ديني بشكل كامل. الأسرة، الأصدقاء، وحتى البعد عن الواقع اليومي… كل هذا يجعل الإنسان يراجع نفسه. لحسن الحظ، كانت لدي القدرة على الموازنة، وهذا ما سمح لي بالخروج من التجربة بدون ضرر نفسي كبير”.
وبالحديث من منظور أوسع عن الجماعات الدينية والسياسية: “كيف يمكن للمجتمع المصري اليوم التعامل مع جماعات مثل الإخوان بعد كل هذه التجارب؟” يجيب الخرباوي بأن الحل لا يكمن في المنع أو القمع فقط، بل في بناء وعي عام: “التعليم، والفرص الاقتصادية، والانفتاح على النقاش، كل هذا يقلل من فرص استقطاب الشباب. عندما يفهم الفرد أن الدين ليس أداة للسيطرة، وأن الدولة يجب أن تمثل الجميع بعدل، تختفي الجاذبية الزائفة لأي جماعة”.
ويؤكد الخرباوي على نقطة جوهرية: أن فهم التاريخ السياسي والفكري لمصر لا يكتمل إلا عبر قراءة تجارب شخصية حقيقية، مثل تجربته، بعيدًا عن التعميمات أو الشعارات الجاهزة. التجربة، بالنسبة له، كانت مرآة لرؤية أوسع: كيف تتشكل الجماعات، كيف تُدار الدولة، وكيف يوازن الإنسان بين قناعاته الشخصية والولاء الوطني، دون أن يفقد إنسانيته.
ثم تنتقل د. انتصار غريب للحديث عن المستقبل، وتسأل الخرباوي عن رؤيته لمسار السياسة المصرية في ظل التحولات المعاصرة: “بعد كل هذه التجارب الشخصية والسياسية، كيف ترى مستقبل الوطن؟”
يبتسم الخرباوي قبل أن يجيب: “المستقبل دائمًا مفتوح، لكنه يحتاج إلى قراءة واعية للتاريخ، وفهم عميق للدروس المستفادة من التجارب السابقة. علينا أن نميز بين الدين كقيمة روحية وبينه كأداة سياسية، وأن نمنح الشباب الفرصة ليكونوا فاعلين في المجتمع، لا مجرد تابعين لأيديولوجيات جاهزة”.
ويضيف أن مواجهة التطرف لا تقتصر على القوانين أو الأجهزة الأمنية، بل تبدأ من التعليم والثقافة: “المواطن الواعي هو خط الدفاع الأول ضد أي جماعة تحاول استغلال الدين أو الوطنية لتحقيق أهداف ضيقة. المجتمع الذي يفهم حقوقه وواجباته لا يمكن أن يُستغل بسهولة”.
ثم بالحديث عن دور الإعلام والفكر: كيف يمكن للفكر الحر أن يسهم في بناء وعي سياسي سليم؟ يؤكد الخرباوي أن النقاش المفتوح والتاريخ الحقيقي هما سلاح المجتمع: “لا يكفي أن نحكي التاريخ بصورته الرسمية أو كما يريد البعض أن نراه. علينا أن نقرأ التجارب المختلفة، أن نستمع لقصص الأشخاص الذين عاشوها، وأن نستخلص العبر. هذا ما يجعلنا أقوى وأكثر قدرة على اتخاذ قراراتنا بأنفسنا”.
تسأل د.انتصار غريب أيضًا عن نصيحة للشباب الذين قد يقعون في فخ الإغراءات السياسية أو الدينية: ما الذي تقولونه لهم؟
يجيب الخرباوي بحزم وصدق: تحققوا دائمًا من نوايا من حولكم، ولا تسمحوا لأحد بأن يستخدم دينكم أو وطنكم كوسيلة لتحقيق مكاسب ضيقة. احترموا ذاتكم، وفكروا بعقلكم قبل أن تتبعوا قلبكم أو أي شعارات رنانة. الحرية الفكرية ليست رفاهية، بل ضرورة للبقاء كشخص متكامل في مجتمع متغير.
يركز الحوار على القيمة الإنسانية للتجربة بأكملها: “تجربتي مع الإخوان والوفد، وكل ما عشته من صعود وهبوط، علمني شيئًا واحدًا: أن الإنسان يستطيع أن يحافظ على إنسانيته وقيمه حتى في أصعب البيئات. والأمل، رغم كل شيء، هو ما يجعلنا نواصل العمل من أجل وطن أفضل”.
ننتهي هنا من الحوار، تاركةً للقراء نافذة مفتوحة على شخصية د. ثروت الخرباوي، مفكرًا وسياسيًا عاش تجربة مركبة، لكنه ظل محافظًا على وعيه وإيمانه بالقدرة على الإصلاح والتغيير من داخل المجتمع، بعيدًا عن الشعارات أو الحسابات الضيقة.
