بقلم : أحمد رشدي
لم تكن المرأة يومًا عنصرًا هامشيًا في بناء المجتمعات، ولا دورها محصورًا في إطار ضيق أو وظيفة بعينها، بل كانت ولا تزال الجذر العميق الذي تستند إليه بنية المجتمع بأكملها. فحضور المرأة لا يُقاس فقط بما تقدمه في سوق العمل، على أهميته، وإنما بما تصنعه في الشق الأسري والاجتماعي والثقافي،
حيث تتشكل القيم، وتُغرس المبادئ، وتُبنى الشخصية الإنسانية منذ خطواتها الأولى.
في البيت، تمارس المرأة دورًا يتجاوز حدود الرعاية اليومية إلى صناعة الإنسان ذاته.
فهي المعلمة الأولى، والمُربية التي تُهذّب السلوك، وتزرع في نفوس الأبناء معنى الانتماء، والاحترام، وتحمل المسؤولية. بالتربية الصحيحة والنشأة الأصيلة، تُقيم المرأة أساسًا متينًا لشخصية متوازنة قادرة على التفاعل الإيجابي مع المجتمع، مدركة لقيمة الأخلاق، وواعية بحدود الحرية والواجب.
ولا يقل دور المرأة في إدارة شؤون البيت أهمية عن أي دور آخر، فالتدبير المنزلي ليس مجرد تنظيم للموارد، بل هو وعي عميق باحتياجات الأسرة، وتقدير دقيق لأولوياتها، وقدرة على الموازنة بين الإمكانيات والمتطلبات. بهذا الوعي، يتحول البيت إلى مساحة آمنة ومستقرة، يشعر فيها كل فرد بالطمأنينة والاحتواء، وهو ما ينعكس مباشرة على الصحة النفسية والسلوكية لأفراده.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن المرأة تمثل حلقة الوصل التي تحفظ ترابط الأسرة الممتدة، وتقوّي العلاقات الإنسانية داخل المجتمع. بحكمتها، وقدرتها على الاحتواء، وإدارتها للخلافات، تسهم في تهدئة التوترات، وتدعيم الروابط، ومنع التفكك الذي يهدد كيان الأسرة والمجتمع معًا.
فالمجتمع الذي تحضر فيه المرأة بوعي ومسؤولية، يكون أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة الأزمات.
وفي البعد الثقافي، تعكس المرأة وعي المجتمع ومستواه الحضاري. ثقافتها وأسلوب حياتها، كلها عناصر تنعكس على بيتها وأبنائها، ومن ثم على المجتمع بأسره.
فالمرأة الواعية بقيمها وهويتها، القادرة على الجمع بين الأصالة ومتطلبات العصر، تُسهم في حماية الأسرة من الذوبان، وتمنح أبناءها القدرة على التفاعل مع العالم دون فقدان جذورهم.
لقد كانت المرأة، عبر التاريخ، قوة المجتمع الحقيقية وجذوره الراسخة. بها تتشابك الخيوط التي تنسج نسيج المجتمع، ومنها تنطلق القيم التي تحفظ توازنه واستقراره. وحين تواجه الأسرة تحديات العصر من تفكك وضغوط اقتصادية وثقافية، تقف المرأة في الصف الأول، تحمي البيت، وتعيد ترتيب الأولويات، وتزرع الأمل في النفوس.
إن الاهتمام بدور المرأة، وتمكينها معرفيًا وثقافيًا وأخلاقيًا، هو استثمار مباشر في مستقبل المجتمع. فكلما كانت المرأة قوية الوعي، متماسكة الدور، انعكس ذلك بيتًا أكثر استقرارًا، وأسرة أكثر ترابطًا، ومجتمعًا أقدر على النهوض.
فالمرأة ليست فقط نصف المجتمع عددًا، بل هي قلبه النابض، وجذره الذي يستمد منه قوته واستمراره.
