أحمد رشدي
لم يكن موت جيفري إبستين داخل زنزانته فى أغسطس 2019 نهاية للقضية، بل بداية لمرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة، انتقلت فيها المواجهة من محاكمة رجل واحد إلى تفكيك منظومة كاملة من النفوذ، والمال، والتقصير المؤسسى.
فبعد سنوات من الصمت والجدل،
عادت القضية إلى الواجهة بقوة مع الإفراج المتتابع عن الوثائق السرية، التى كشفت ليس فقط عن شبكة العلاقات، بل عن ثمنٍ إنسانى جديد لم يكن فى الحسبان.

فى أواخر عام 2025 وبداية 2026، أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن ملايين الصفحات من الوثائق المرتبطة بقضية إبستين، فى إطار القضايا المدنية والضغوط القضائية المتراكمة. هذه الوثائق، التى قُدمت باعتبارها خطوة نحو الشفافية، أحدثت زلزالًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا، بعدما تضمنت أسماء شخصيات بارزة من عالم السياسة والاقتصاد والمال، إضافة إلى سجلات سفر، ومراسلات، وبيانات شخصية لم يكن من المفترض أن ترى النور بهذا الشكل.
غير أن الصدمة الأكبر لم تكن فقط فى أسماء الصفوة، بل فى اتساع دائرة المتضررين.
فقد كشفت صحيفة داغنز نيهيتر السويدية أن بيانات عدد من الطالبات السويديات، اللواتى تقدمن سابقًا لمنحة «Female Economist of the Year»، ظهرت ضمن وثائق إبستين المنشورة، رغم عدم وجود أى صلة لهن بالقضية الجنائية من قريب أو بعيد. وشملت البيانات المسربة أسماء الطالبات، وصورهن، وسيرهن الذاتية، فى واقعة أثارت موجة غضب وانتقادات حادة تتعلق بغياب المعايير الأخلاقية فى نشر الوثائق.

المنحة، التى كانت تُمنح عبر مدرسة ستوكهولم للاقتصاد، أُسست بمبادرة من سيدة الأعمال السويدية باربرو إهنبوم، وهدفت إلى دعم التفوق الأكاديمى للطالبات، لا ربط أسمائهن بإحدى أكثر القضايا الجنائية حساسية فى العالم. ومع ذلك، وجدت هؤلاء الطالبات أنفسهن فجأة فى قلب عاصفة إعلامية، دون ذنب أو صلة، سوى أن بياناتهن كانت محفوظة فى أرشيفات مالية أو إدارية ارتبطت بشكل غير مباشر بشبكة إبستين.
إحدى المتضررات عبّرت عن غضبها بوضوح، قائلة للصحيفة السويدية:
«أنا لست ضحية بالمعنى الجنائى، لكن من غير المقبول عدم التمييز بيننا وبين الجناة».
بينما كشفت طالبة أخرى أنها تلقت رسائل واستفسارات عبر وسائل التواصل الاجتماعى عقب نشر اسمها، ما تسبب لها فى شعور بالقلق وعدم الأمان، وفرض عليها عبئًا نفسيًا لم تتوقعه يومًا.
هذه الواقعة فتحت نقاشًا واسعًا حول الكلفة الجانبية لما يسمى بـ«الشفافية المتأخرة»، وحدود المسؤولية القانونية والأخلاقية عند نشر الوثائق.
فبينما يرى البعض أن كشف كل الأسماء ضرورة لكسر شبكات النفوذ، يحذر آخرون من أن النشر غير المنضبط قد يحول الأبرياء إلى ضحايا جدد، ويفقد العدالة معناها الإنسانى.

فى السياق ذاته، استمرت الوثائق فى كشف تفاصيل إضافية عن شبكة إبستين، وعلاقاته بشخصيات نافذة، من بينهم الأمير أندرو، الذى واجه ضغوطًا غير مسبوقة واعتذارات رسمية، إلى جانب ورود أسماء رؤساء سابقين ورجال أعمال عالميين، نفى كثير منهم أى علم بأنشطة إبستين الإجرامية.
ورغم التأكيد القانونى المتكرر بأن ورود الأسماء لا يعنى الإدانة، فإن الأثر السياسى والأخلاقى كان فوريًا وعميقًا.
ما بعد وفاة جيفري إبستين كشف أن القضية لم تعد مجرد ملف جنائى، بل اختبار عالمى لمفهوم العدالة ذاته: كيف نكشف الحقيقة دون أن نخلق ضحايا جدد؟ وكيف نوازن بين حق المجتمع فى المعرفة وحق الأفراد فى الخصوصية؟ أسئلة لا تزال بلا إجابات حاسمة، فى قضية أثبتت أن سقوط رجل لا يعنى بالضرورة سقوط الشبكة، وأن الوثائق، مهما كانت ضرورية،
قد تتحول أحيانًا من أداة إنصاف إلى سيفٍ يضرب بلا تمييز.
قضية إبستين، بعد كل ما كُشف، لم تعد فقط فضيحة استغلال جنسى، بل مرآة قاسية لعصر تختلط فيه الحقيقة بالنفوذ، والعدالة بالانتقام، والشفافية بالفوضى.
وما زال العالم، حتى هذه اللحظة، يقرأ الوثائق، بينما تبقى الحقيقة الكاملة مؤجلة… وربما موجعة أكثر مما نتصور.
