كتب.. أحمد رشدي
الشباب هم وقود الحاضر وأمل المستقبل، هم الشعلة التي لا تنطفئ مهما اشتدت العواصف. في كل زمان يظهر جيل يحمل الحلم ويصنع الأمل، وجيل اليوم رغم كل التحديات ما زال يبحث عن مكانه تحت الشمس، يواجه واقعا صعبا لكنه لا يرضى بالهزيمة ولا يعرف المستحيل
في زمن التكنولوجيا والانفتاح، صار العالم بين يديه، لكن في المقابل ازدادت المسؤولية، فوسائل التواصل الاجتماعي التي قرّبت المسافات زرعت أيضًا المقارنات وأرهقت النفوس، حتى صار كثير من الشباب يقيسون قيمتهم بعدد الإعجابات والمتابعين لا بما يقدّمونه من إنجاز أو فكر. التكنولوجيا التي صنعت فرصًا للتعلّم والعمل صارت سلاحًا ذا حدين، فإما أن تكون وسيلة بناء وإلهام، أو طريق ضياع وتشتيت
هناك شباب فقدوا الثقة بأنفسهم واستسلموا للظروف، منهم من ترك حلمه بسبب إحباط المجتمع، ومنهم من غرق في دوامة اليأس والبطالة، فاختار الطريق الأسهل وابتعد عن الكفاح. كم من موهوب دفن موهبته لأن أحدًا لم يمد له يد العون، وكم من حلم جميل انكسر أمام باب مغلق لا يُفتح إلا للواسطة أو الحظ
لكن في المقابل، هناك شباب تحدوا كل شيء، جعلوا من المستحيل بداية جديدة، مثل الشاب الذي بدأ مشروعه الصغير بعربة طعام أمام الجامعة حتى صار اليوم صاحب مطعم ناجح، أو الفتاة التي رفضت أن تُقيَّد بنظرة المجتمع فتعلمت البرمجة من الإنترنت وأصبحت تعمل مع شركات عالمية من غرفتها الصغيرة، أو ذلك الطالب البسيط الذي كان يذاكر تحت ضوء الشارع لأنه لم يملك كهرباء في بيته، فصار طبيبًا يداوي الفقراء ويبتسم رغم قسوة الحياة
وهنا يظهر البعد الديني في حياة الشباب، فالإيمان هو الوقود الحقيقي الذي يشعل الإرادة في القلوب. حين يتذكر الشاب قول الله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ”، يدرك أن التغيير يبدأ من داخله، وأن الله لا يخذل من سعى بإخلاص وعمل بصدق. الدين لا يمنع الطموح بل يوجّهه، والإيمان لا يحد من الحركة بل يمنحها معنى وهدفًا، فالعزيمة حين تمتزج بالإيمان تصنع معجزات
لكن لا يمكن إنكار أن هذا الجيل يعاني من قلة الدعم أحيانًا، ومن تهميش صوته في أماكن القرار. يحتاج إلى من يسمعه لا من يحكم عليه، إلى من يفتح له الأبواب لا من يغلقها. فحين نمنح الشباب الثقة، نجد فيهم طاقة تبني الأوطان وتُعيد الأمل إلى كل من ظن أن المستقبل انتهى
إن طموح الشباب اليوم لا يُقاس بالحدود الجغرافية، بل يتجاوزها إلى العالمية، يسعى للعلم والمعرفة والإبداع في كل مجال، يزرع حلمه في أرضٍ قد تبدو قاحلة لكنه يؤمن أن المطر قادم. فجيل بلا حدود لا ينتظر المعجزات بل يصنعها
وفي النهاية، يبقى الشباب هم معادلة الحياة الأصعب والأجمل، هم التحدي الحقيقي في زمنٍ مضطرب، وهم الفرصة التي إن أحسنا استثمارها تغيّر وجه الأمة. فليكن شعارهم الإيمان والعمل، وليكن هدفهم البناء لا الهدم، لأن الأوطان لا تقوم إلا على أكتاف من يؤمنون بأن الغد أفضل، وأن الشمس مهما غابت لا بد أن تعود
