بقلم السيد عيد
في سجلّ الكوميديا المصرية لحظات لا تُنسى، لكن قليلًا منها يملك القدرة على أن يبدو كدرس فني في العبث.
ومن بين هذه اللحظات، يبرز مشهد محمد هنيدي وهو يتقمّص شخصية عِفّت الشربيني… لا صوتها فقط، بل روحها، وارتباكها، وركضها أيضاً.
عِفّت في الأصل مذيعة جادة، تفيض حماسة وتدافع عن الحقيقة. لكن حين دخلت إلى عالم هنيدي، صارت مزيجًا بين جدّية المذيعة وخفة ظلّ المتورّط الذي يعرف أن أول حفرة في الطريق كفيلة بإسقاط الباروكة وكشف المستور.
صوتٌ يحاول أن يبدو أنثويًا فيخرج كأنه “عفت” بعد ليمونة ساخنة،وحاجبان يلوّحان براية الاستسلام،وملامح لا تُصرّ على الإقناع… لكنها تُصرّ على الإمتاع.
حين ركض هنيدي متنكّرًا في ثوب عِفّت، تحوّل المشهد إلى قصيدة بلا وزن ولا قافية: فستان يتطاير، باروكة تتأرجح، ونَفَس يلهث كأنه يعتذر للطبيعة عن هذا الانتحال الجميل.
لم يكن الركض محاولة للهروب بقدر ما كان احتفالًا بالنجاة… بأي شكل. التنكّر كفنّ رفيع، لم يكن التنكّر مجرد طرحة وفستان، بل كان إعلانًا ساخرًا عن مدرسة خاصة: مدرسة الفوضى المنظمة حيث يظل الرجل رجلًا، والأنثى أنثى، لكن الكوميديا تُنجب مخلوقًا ثالثًا… لا ينتمي لجنس ولا مهنة، بل ينتمي للضحك الخالص.
تقمّص هنيدي روح عِفّت لا شكلها فقط، فصار الفستان موقفًا،والباروكة رأيًا، والشخصية كلها فلسفة صغيرة في العبث الراقي.
أن ترتدي فستانًا ليس فنًا، لكن أن ترتدي روح شخصية… فهذا هو الفن. وفي لحظة مضيئة من تاريخ الكوميديا،
ارتدى هنيدي روح عِفّت الشربيني، فسقط المنطق…
وبقي الضحك.
