بقلم : أحمد رشدي
كنت أظن أن التحذيرات التي تبدأ بجملة مثل
إياك أن تفعل كذا بعد الساعة كذا
لا تُقال إلا في الأفلام الرديئة أو على لسان عجائز الأحياء الشعبية ممن يعتبرون الكهرباء كائنًا شيطانيًا.
لكن ها أنا أعترف وبكل خزي أنني تجاهلت تحذيرًا من هذا النوع، ثم جلست لاحقًا ألوم نفسي بنفس الطريقة التي يلوم بها الإنسان أصبعه بعد أن يضعه في مقبس الكهرباء.
قال لي جاري العجوز وهو يغلق باب شقته بحرص زائد:
“لا تفتح الباب بعد الثالثة فجرًا…
حتى لو سمعت نفسك تناديك.”
ضحكت. ضحكة رجلٍ يثق بعقله أكثر مما ينبغي، وقلت في سري عبارتي المفضلة التي أرددها كلما اقتربت من كارثة:
ما الذي قد يحدث؟
والإجابة دائمًا: كل شيء.
في الليلة الأولى، سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. طرقًا مهذبًا، أقرب إلى اعتذار منه إلى طلب دخول.
نظرت إلى الساعة: الثالثة وأربع دقائق.
ابتسمت بسخرية، وقلت لنفسي:
حسنًا، يبدو أن الجن أيضًا ملتزمون بالمواعيد.
استدرت ونمت.
في الليلة الثانية،
لم يكن هناك طرق… بل نداء.
اسمي.
بصوتي أنا.
وهو أمر مزعج على عدة مستويات، أهمها أنني لا أخرج عادة من جسدي لأقف خلف الأبواب في الثالثة فجرًا.
قال الصوت جملة لا يعرفها غيري، جملة أقولها دائمًا حين أتوتر.
هنا، ولأول مرة، شعرت أن الموضوع خرج من نطاق توهمات رجل مرهق ودخل منطقة
حسنًا، نحن في ورطة حقيقية.
في الليلة الثالثة،
قرر الشيء خلف الباب أن يتخلى عن المجاملات.
لم يطرق.
لم ينادِ.
سمعت خطوات… داخل الشقة.
وقفت في الظلام أحمل هاتفي كمن يحمل سيفًا خشبيًا في معركة تنانين. فتشت الغرف. لا أحد. كل شيء في مكانه.
عدت إلى الباب…
وسمعت مقبضه يتحرك.
من الخارج.
ثم من الداخل.
وهنا، بطبيعة الحال، تذكرت عبارتي الساخرة المفضلة، لكن بصيغة أكثر واقعية:
كان يجب أن أغلق فمي.
همس الصوت من خلف الباب:
“لو لم تفتح… سأبقى.”
وهي جملة غير مطمئنة على الإطلاق،
لأن أي كائن يقولها لا ينوي الرحيل أبدًا.
مرت الأيام، وبدأت ألاحظ أعراض السكن المشترك غير المعلن:
أغراض تتغير أماكنها.
باب يُغلق وحده.
ومرآة حمام يبدو انعكاسي فيها متأخرًا نصف ثانية، كأنه يفكر قبل أن يقلدني.
سألت الجيران عن الشقة.
قالوا إنها كانت خالية طويلًا.
قالوا إن آخر ساكن رحل فجأة.
لم يقل أحد إلى أين،
وهي التفاصيل التي يختار الناس نسيانها لأنها لا تساعد على النوم.
في الليلة السابعة،
قررت أن أكون شجاعًا… أو غبيًا، والفارق بينهما رفيع جدًا بعد الثالثة فجرًا.
جلست أمام الباب.
انتظرت.
عندما دقت الساعة الثالثة، انفتح الباب ببطء.
كان الممر أطول مما ينبغي.
وكان هناك أنا…
نسخة مني، بنفس الملابس، بنفس الملامح، لكن بابتسامة شخص فاز أخيرًا باللعبة.
قال لي بهدوء يقتل الأعصاب:
انتهى دورك… الآن دورى.
أغلقت الباب، أغلقت الأقفال، فعلت كل ما يفعله إنسان عاقل تأخر كثيرًا في أن يكون عاقلًا.
وعندما أشرقت الشمس،
عاد كل شيء طبيعيًا… تقريبًا.
الآن، كلما اقتربت الساعة من الثالثة، أسمع صوتًا خلف الباب يهمس بثقة مزعجة:
“هذه المرة… سأفتح أنا.”
وهكذا تعلمت درسًا مهمًا في الحياة، أقدمه لك مجانًا:
إذا حذّرك شخص من فتح باب بعد الثالثة فجرًا…
فصدّقه.
لأن بعض الأبواب لا تخفي وحوشًا…
بل تخفي بدائل جاهزة منك.
