بقلم : أحمد رشدي
كنت أظن أن أقصى ما يمكن أن أخرج به من تلك الليلة هو أرقٌ مزمن، أو بعض الهواجس التي تُحلّ عادةً بفنجان قهوة ثقيل ونصيحة عابرة من طبيب متعجّل.
لكنني كنت مخطئًا، كمن يظن أن العاصفة انتهت لمجرد أن الريح سكنت قليلًا.
بدأ كل شيء حين استيقظتُ عند الثالثة فجرًا… دون سبب.
لا طرق على الباب، لا همس، لا ذلك الإحساس المعتاد بأن هناك من يقف خلفه ويتنفس بصبر. الصمت كان كاملًا، متماسكًا، ومريبًا على نحو غير مريح.
والصمت، كما تعلّمت لاحقًا، لا يأتي إلا حين يغيّر الخطر طريقته.
جلست على السرير أحدّق في العتمة،
وأردّد في داخلي عبارتي الساخرة التي لم تنقذني يومًا:
حسنًا… ما الجديد هذه المرة؟
جاءني الجواب من المرآة.
رأيت انعكاسي جالسًا كما أنا، لكنّه لم يكن ينظر إليّ، بل كان ينظر إلى باب الشقة، بابتسامة خفيفة لا أعرفها.
التفتّ بسرعة، فلم أجد شيئًا. عدت إلى المرآة، فعاد كل شيء طبيعيًا، كأن ما رأيته كان فكرةً عابرة تسللت من رأسي ثم ندمت.
عند الثالثة تمامًا،
سمعت صوت المفتاح في الباب.
لم يكن من الخارج… بل من الداخل.
وهنا، لا مجال للبطولة ولا للفلسفة؛
فعندما تسمع باب شقتك يُدار بمفتاح لا تحمله، تدرك أن المنطق قرر الانسحاب بهدوء.
تحرّك المقبض ببطء، وانفتح الباب قدر إصبع، وانساب صوتي أنا من خلفه، هادئًا، واثقًا، ساخرًا:
ما زلتَ مستيقظًا؟
تراجعت حتى التصقت بالحائط،
وقلت بصوت بالكاد خرج:
أنت لست حقيقيًا.
ضحك ضحكة قصيرة، تعرف طريقها جيدًا:
— كلّنا حقيقيون بدرجة ما…
…الفرق فقط فيمن سيكمل.
اندفع الباب، ودخل… أنا.
نفس الطول، نفس الملامح، نفس الندبة الصغيرة التي لا يتذكرها سواي.
لكن عينيه كانتا أكثر هدوءًا مما ينبغي،
كأنهما تعرفان النهاية مسبقًا.
تجوّل في الشقة كما يتجوّل صاحب المكان، وقال:
سبع ليالٍ. كنتُ أحتاج سبع ليالٍ فقط،
وأنت كنتَ متعاونًا على نحو مثالي.
سألته، وقد بدأ الخوف يتحول إلى برودة ثقيلة:
متعاونًا في ماذا؟
أشار إلى رأسي:
في الشك، وفي التردد، وفي كل مرة اخترتَ فيها ألا تفتح الباب. كنتَ تتركه مفتوحًا هنا.
اقترب ووضع إصبعه على صدري،
فشعرت ببرودة تسحب شيئًا غير مرئي من داخلي.
أنا لا آتي لأخذ مكانك… أنا آتي لأخذ القرار.
اهتزّت الشقة فجأة.
الأبواب تُفتح وتُغلق، الساعة على الحائط تدور للخلف ثم تتوقف عند الثالثة، وأصوات الجيران خلف الجدران تتحول إلى همهمات بلا كلمات، كأن المبنى كله يشهد.
صرخت:
ما أنت؟
ابتسم ابتسامة فهمت معناها متأخرًا:
أنا النسخة التي قررت أن تفتح الباب.
اندفع نحوي، ولم يكن ما حدث صراع أجساد، بل صراع ذاكرة. لحظات تُنتزع، أسماء تتلاشى، وأماكن أحببتها ولم أعد أذكر لماذا.
شعرت بأنني أفرغ ببطء،
كما يُفرغ إناء دون أن يُكسر.
وفي لحظة يأس أخيرة، قلت:
خذ الشقة… خذ كل شيء… فقط اتركني.
توقف. نظر إليّ بفضول حقيقي،
ثم قال بهدوء قاتل:
وأتركك أين؟
استيقظت على ضوء الصباح.
الشقة هادئة.
الباب مغلق.
لا أثر لأي صراع.
لكن المرآة… كانت مكسورة.
منذ ذلك اليوم، أعيش حياة طبيعية تمامًا. أذهب إلى عملي، أتحدث مع الناس، أضحك في المواضع الصحيحة.
المشكلة الوحيدة أنني كلما اقتربت الساعة من الثالثة فجرًا، أشعر برغبة غامضة، ملحّة، في فتح الباب.
وأضحك في سرّي، وأردّد عبارتي الساخرة الأخيرة، وقد فقدت خفّتها تمامًا:
يبدو أن بعض الأبواب…
لا تُفتح م
رة واحدة فقط.
وإن سمعتَ طرقًا الليلة،
فلا تقل إنني لم أحذّرك.
