د.نادي شلقامي
في الوقت الذي تسابق فيه مصر الزمن لبناء “الجمهورية الجديدة” على مستوى الحجر والبنيان، تطل برأسها أزمة طاحنة تهدد “بنيان الإنسان” في مقتل؛ إنها ظاهرة الطلاق التي لم تعد مجرد أرقام في دفاتر المأذونين، بل تحولت إلى “نزيف قومي” يهدد الأمن المجتمعي. ونحن في عام 2026، لم يعد السؤال هو “لماذا يقع الطلاق؟” بل “كيف نحمي ما تبقى من قدسية الرباط الغليظ؟”. إننا أمام مشهد درامي، حيث يتحول “عش الزوجية” من سكن ومودة إلى ساحات للمحاكم ومكاتب التسوية، في ظاهرة مركبة تداخل فيها صراع الأجيال بضغوط الاقتصاد، وسطوة “السوشيال ميديا” بانهيار منظومة القيم التقليدية. هذا التقرير هو رحلة غوص في أعماق الأزمة، بحثاً عن طوق نجاة لآخر حصون المجتمع
أولاً….تشخيص الظاهرة وأبعادها:
تشهد مصر تحولاً ديموغرافياً وقيمياً سريعاً، حيث أصبح الطلاق، الذي كان يوماً من المحرمات الاجتماعية، ظاهرة مرئية ومتزايدة. ولا تقتصر الزيادة على المدن الكبرى، بل امتدت إلى الريف والصعيد. وتشير توقعات الخبراء إلى استمرار هذا المنحنى التصاعدي حتى 2026 إذا لم تُتخذ إجراءات استباقية وجذرية.
ثانياً… تشريح الأسباب المتشابكة:
1. الأسباب الاقتصادية (الضغط المالي الأكبر):
— غلاء المعيشة وتكاليف الزواج الباهظة: تصل تكاليف الزواج في المتوسط إلى 300-500 ألف جنيه في المدن، مما يدفع الكثيرين للاقتراض وبدء الحياة تحت وطأة الديون.
— البطالة وانخفاض الدخل: عدم قدرة الشباب على توفير متطلبات الأسرة، خاصة مع ارتفاع أسعار السكن والتعليم والرعاية الصحية.
— الضغوط التضخمية: تآكل القيمة الشرائية للدخل مع ارتفاع الأسعار، مما يخلق توتراً مستمراً داخل الأسر.
2. الأسباب الاجتماعية والمجتمعية:
— تغيير الأدوار والتمكين الاقتصادي للمرأة: زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل واعتمادها على ذاتها اقتصاديًا قلل من تحملها لعلاقات زوجية غير مستقرة.
— ضعف التواصل والتفاهم: غياب الحوار البناء بين الأزواج، وسيادة النمط الاستهلاكي في العلاقات.
— تدخل الأهل السلبي: كثرة التدخلات العائلية في شؤون الزوجين، خاصة في السنوات الأولى للزواج.
— العنف الأسري: لا تزال نسبة من حالات الطلاق مرتبطة بأشكال مختلفة من العنف.
3- الأسباب النفسية والسلوكية:
— ضعف الاستعداد النفسي للزواج: اختيار الشريك على أساس معايير سطحية، وعدم النضج العاطفي.
— تأثير الإدمان: انتشار إدمان المواد المخدرة والقمار بين بعض الفئات.
— الضغوط النفسية العامة: القلق المجتمعي العام الناتج عن التحولات السريعة.
4- الأسباب الدينية والفكرية:
— ضعف الوعي الديني الصحيح: فهم خاطئ للحقوق والواجبات الزوجية في الإسلام.
— تأثر الشباب بتيارات فكرية متطرفة: سواء في التشدد أو في التحرر من الثوابت الدينية والأخلاقية.
ثالثا….تأثير الطلاق على الأبناء والمجتمع في نقاط مركزية:
أ- التأثير على الأبناء (الضحايا الصامتون)
1- الاضطراب النفسي والعاطفي:
— يُصاب الأبناء بما يسمى “قلق الانفصال” وفقدان الأمان الشعوري.
— ظهور مشاعر الذنب؛ حيث يعتقد بعض الأطفال (خاصة في سن صغيرة) أنهم السبب في شجار والديهم أو طلاقهم.
2- تراجع التحصيل الدراسي:
— تشتت الانتباه الناتج عن الصراعات الأسرية يؤدي غالباً إلى تدهور النتائج الدراسية وزيادة نسب التسرب من التعليم في الأسر المنفصلة.
3- العدوانية أو الانطواء:
— قد يفرغ الطفل ضغطه النفسي في صورة سلوك عدواني تجاه أقرانه، أو ينكفئ على نفسه مما يؤدي إلى الاكتئاب المبكر.
4- اهتزاز صورة “النموذج”:
— يواجه الأبناء صعوبة في تكوين علاقات ناجحة مستقبلاً، نتيجة فقدانهم للنموذج الواقعي للحياة الزوجية المستقرة، مما يولد لديهم “فوبيا” من الارتباط.
ب- التأثير على المجتمع (تآكل القوى الناعمة)
1- زيادة معدلات الجريمة والانحراف:
— تشير الدراسات الاجتماعية إلى ارتباط وثيق بين “التفكك الأسري” والميل نحو الانحراف أو الإدمان، حيث يخرج الشاب للشارع بحثاً عن “احتواء” بديل، وغالباً ما يكون احتواءً سلبياً.
2- العبء الاقتصادي على الدولة:
— تزايد حالات الطلاق يفرض ضغوطاً مادية على ميزانية الدولة من خلال زيادة مخصصات “معاشات تكافل وكرامة” للمطلقات، وتكاليف التقاضي، وتوفير دور رعاية للأطفال المعرضين للخطر.
3- خلل في التوازنات الديموغرافية:
— الطلاق المتكرر يؤدي إلى تشتت الأسر، مما ينتج عنه “أشباه أيتام” (أطفال بوالدين أحياء لكنهم غائبون)، مما يضعف النسيج البشري للدولة وقدرته على الإنتاج.
4- انخفاض جودة القوى العاملة:
— الاضطرابات النفسية الناتجة عن التفكك الأسري تؤثر على الكفاءة الإنتاجية للفرد في عمله، سواء كان الأب أو الأم أو الابن الذي سيلتحق بسوق العمل لاحقاً.
ج- التأثير على منظومة القيم
1- تطبيع الانفصال: مع تزايد الحالات، يبدأ المجتمع في تقبل الطلاق كحل “سهل” بدلاً من كونه “خياراً أخيراً”، مما يضعف قيمة الصبر والمثابرة في مواجهة الصعاب.
2- الصراع القيمي: تنشأ فجوة بين ما يتعلمه الطفل في الدين والمدرسة عن “المودة والرحمة” وبين ما يراه واقعياً من قضايا “نفقات ورؤية” في المحاكم.
خلاصة القول… إن فاتورة الطلاق لا تُسدد فقط من أعصاب الزوجين، بل تُخصم من رصيد مستقبل الوطن المتمثل في أطفاله.
رابعا… أدوار الفاعلين المجتمعيين والحلول المقترحة:
1- دور الأزهر وعلماء الدين ودور العبادة:
— تطوير برامج تأهيل ما قبل الزواج إلزامية في المساجد والكنائس.
–إطلاق حملات توعوية مستمرة عن فلسفة الزواج في الإسلام والمسيحية، وترسيخ ثقافة التسامح والحوار.
— تفعيل دور مكاتب الإصلاح الأسري التابعة للأزهر والكنائس.
–إصدار خطاب ديني معتدل يركز على روح الشريعة ومقاصدها في حفظ الأسرة.
2- دور الحكومة والمجالس التشريعية:
— تشريعياً: مراجعة قوانين الأحوال الشخصية لتوازن بين حقوق الطرفين، وتشجيع الوساطة والإصلاح.
— اقتصادياً: إطلاق حزمة تحفيزية تشمل: قروض زواج ميسرة، دعم سكني للشباب، تخفيض تكاليف الزواج الرسمية.
— برامج دعم: إنشاء مراكز دعم أسري مجانية، وتفعيل خطوط مساعدة للإرشاد الأسري.
3- دور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي:
— الإعلام التقليدي: تقديم محتوى هادف يعزز القيم الأسرية، وبرامج توعوية بمشاركة خبراء.
— منصات التواصل: مكافحة المحتوى المشوه لصورة الزواج، والترويج لنماذج أسرية ناجحة.
–التأثير السلبي الذي يجب معالجته: تصدير نماذج علاقات غير واقعية عبر الدراما والبرامج التلفزيونية.
4- دور الجامعات والمدارس وأولى العلم:
— المناهج التعليمية: إدخال مقررات عن التربية الأسرية والعلاقات الإنسانية في مراحل التعليم المختلفة.
— الجامعات: عقد ورش عمل وجلسات إرشادية للطلاب حول اختيار شريك الحياة وإدارة الأسرة.
— دور الفتيات: التوعية بضرورة الاعتدال في طلبات الزواج، ووضع معايير واقعية لاختيار الشريك.
5- دور أولياء الأمور والأمهات:
— التربية على تحمل المسؤولية منذ الصغر.
— تقديم النصح دون إجبار، ومراعاة رغبات الأبناء في اختيار شريك الحياة.
— دعم الأبناء مادياً ومعنوياً في بداية حياتهم الزوجية دون تدخل سلبي.
6- دور الواعظات والمرشدات الدينيات:
— تخصيص جلسات توعية للفتيات والسيدات عن حقوقهن وواجباتهن الشرعية.
— العمل كحلقة وصل بين النساء والمؤسسات الدينية والاجتماعية.
— معالجة قضايا الزواج والطلاق من منظور نسوي متوازن يراعي الخصوصية الدينية والثقافية.
وختاما….فإن معركة الحد من الطلاق في مصر عام 2026 ليست مجرد معركة دينية أو قانونية، بل هي “معركة وعي وجودية”. فإذا استمر نزيف الانفصال بهذا المعدل، سنواجه جيلاً من “أنصاف الأيتام” يعانون شروخاً نفسية لا تداويها السنين. إن إنقاذ الأسرة المصرية يبدأ من لحظة “الاختيار” الصحيح، ويمر عبر “التغافل” عن الصغائر، وينتهي بـ “قانون” يحمي الضعيف ولا يظلم القوي. الأسرة هي الخلية الحية التي إذا مرضت مرض الوطن، وإذا تعافت استردت مصر عافيتها. لقد آن الأوان أن ندرك أن “البيت” هو الوطن الأصغر، والحفاظ عليه هو أسمى أنواع الجهاد في عصرنا الحالي.
وبناءا عليه..، فإن “مؤسسة الزواج هي الركيزة الأساسية لاستقرار المجتمع”، وعلينا جميعاً – دولة ومؤسسات دينية وتعليمية وإعلامية وأفراداً – أن نتحمل مسؤوليتنا في حماية هذه المؤسسة العظيمة.
فالطلاق ليس نهاية المطاف، بل هو فشل لمجتمع بأكمله في حماية أسره.
