د.نادي شلقامي
— صرخة الإيمان في وجه العواصف
في زمن يغرق فيه الإنسان في بحار القلق واليأس، حيث تتلاطم أمواج الابتلاءات كالجبال، تبرز إرادة الله تعالى كالمنارة الخالدة التي تضيء الدرب وتهدي النفوس إلى بر الأمان. هي ليست مجرد قدر محتوم، بل هي حكمة إلهية تحول السم إلى دواء، والظلام إلى نور، والضعف إلى قوة لا تُقهر. في الإسلام، يُدعى المؤمن إلى الغوص في أعماق التوكل، مستمدًا قوته من القرآن الكريم، السنة النبوية الشريفة، وقصص الأنبياء العظام، ليحول كل تحدٍّ إلى انتصار روحي يهز أركان الشكوك. هذا المقال ليس سردًا عاديًا، بل دعوة ثورية للاستسلام لإرادته تعالى، ففيها يجد الإنسان السلام الحقيقي الذي يعصف بالخوف ويبني قلاع اليقين، مستلهمًا دروسًا خالدة من يوسف وأيوب وموسى عليهم السلام، نماذج الصبر والتوكل والنصر الإلهي.
— أعمدة الاطمئنان الروحي في مواجهة القدر
أولا…. إرادة الله في القرآن الكريم: اليقين الذي يهزم المجهول
يُرسي القرآن أساس الثقة المطلقة بإرادة الله، محولاً القلق إلى سكينة لا تتزعزع. قال تعالى: “وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ” (الطلاق: 3)، مؤكدًا أن الله كافٍ لكل شيء، وأن قدره ينفذ مهما استعصت الأمور. كما في قوله: “إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ” (آل عمران: 160)، حيث يصبح التوكل درعًا يحمي من كل غدر، ويولد اطمئنانًا روحيًا يفوق كل قوة بشرية.
ثانيا… السنة النبوية: الدليل العملي للتوكل في الحياة اليومية
— تعزز السنة هذا اليقين بأمثلة حية تجمع بين الجهد والاستسلام. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا” (رواه الترمذي)، مصورًا الطير كرمز للثقة التي تحول الجوع إلى شبع. — وفي حديث: “اعقلها وتوكل” (رواه الترمذي)، يوازن النبي بين الأسباب البشرية والإيمان بإرادة الله، مما يبني اطمئنانًا روحيًا يجعل الحياة ميدان انتصار لا هزيمة.
ثالثا…قصص الأنبياء: نماذج حية تحول الابتلاء إلى تمكين
تكشف قصص الأنبياء كيف تكون إرادة الله بابًا للفرج بعد الشدة، مع التركيز على يوسف وأيوب وموسى كأيقونات الصبر والنصر.
1- قصة يوسف عليه السلام: من الجب إلى العرش.
— ألقي يوسف في الجب بمكر إخوته، بيع عبدًا، سجن ظلمًا بعد رفضه الفتنة بعفة مطلقة قائلاً: “مَعَاذَ اللَّهِ” (يوسف: 23). رغم الفراق والسجن، توكل على الله، فأصبح عزيز مصر، وعفى عن إخوته قائلاً: “لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ” (يوسف: 92). تحققت رؤياه، مؤكدة أن إرادة الله تحول الذل إلى عز، واليأس إلى أمل.
2- قصة أيوب عليه السلام: صبر يهز الجبال
–ابتلي أيوب بفقدان المال والأولاد والصحة، حتى جلس على الرماد يدعو: “أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ” (الأنبياء: 83). لم يشكُ، بل صبر صبرًا جميلاً، فأجابه الله: “ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ” (ص: 42)، ورد عليه كل شيء أضعافًا. قصته درس في أن التوكل يحول الابتلاء إلى بركة، والألم إلى شفاء روحي.
3- قصة موسى عليه السلام: من اليم إلى انشقاق البحر
— ولد موسى في زمن فرعون الذي يذبح أبناء بني إسرائيل، فألقته أمه في اليم بأمر الله فالتقطه آل فرعون وتربى في قصره. بعد قتل قبطي خطأً فر إلى مدين، ثم كُلِّم من الله في الطور وأُعطي معجزتي العصا واليد. ذهب إلى فرعون يدعوه للتوحيد وإخراج بني إسرائيل، فواجه السحرة فغلبتهم عصاه، وأرسل الله الآيات عليهم. ثم أخرج قومه، فلحقهم فرعون عند البحر، فأوحى الله: “اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ” (الشعراء: 63)، فانشق طريقًا يابسًا، وعبر بنو إسرائيل، وأغرق الله فرعون وجنوده.
— قال موسى في أشد الضيق: “إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ” (الشعراء: 62)، فتحقق النصر الإلهي. قصته تثبت أن إرادة الله تنتصر على أقوى الطغاة، وتحول اليأس إلى معجزة.
–وقصص الأنبياء والصحابة والسلف الصالح كثيرة والتي تؤكد علي أن إرادة الله فوق أي إعتبار مهما بلغت ذروة الشدائد وتعاظمت قوة الإبتلاءات وتكالبت علي الإنسان الهموم والغموم والكرب.وهي الدواء الروحاني لسكينة الروح والجوارح وطمأنينة القلب ليلا ونهارا…وفي كل زمان ومكان.
وختاما…. دعوة لثورة التوكل التي تغير المصائر
إرادة الله ليست سجنًا للإنسان، بل مفتاح حريته الحقيقية، يحول كل سقوط إلى صعود، وكل جرح إلى قوة. من خلال القرآن والسنة وقصص يوسف وأيوب وموسى عليهم السلام، نرى كيف يصبح التوكل سلاحًا يهزم اليأس ويبني إمبراطوريات الروح. أيها المؤمن، استيقظ واستسلم لقدره تعالى، فهو الذي قال: “وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ” (إبراهيم: 12). بهذا اليقين، ستحول حياتك إلى ملحمة انتصار، مليئة بالأمل الذي لا ينتهي، والرضا الذي يعصف بكل عاصفة – فالله مع الصابرين، والنصر للمتوكلين، والفرج قريب لمن أيقن أن إرادته هي الحكمة والرحمة!
