د.نادي شلقامي
الحمد لله الذي جعل الصبر زينة المؤمنين، والكتمان جوهر الأكارم، والرضا عنوان الفائزين. والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، الذي علمنا أن الشديد ليس بالصرعة، وإنما الذي يملك نفسه عند الغضب، وعلى آله وصحبه الذين صبروا على البلاء فكان خيراً لهم، وسلم تسليماً كثيراً.
أيها المسلم.. إن الحياة ساحة جهاد، والنفس ميدان اختبار، والدنيا دار ابتلاء لا دار قرار. وفي هذا الزمن الذي كثر فيه الشكوى والتذمر والانفجار الداخلي، يطلع علينا قول الإمام الشافعي رضؤ الله عنه وهو من أعلام السلف الصالح..كالسيف القاطع والنور الساطع: “جوهر المرء في ثلاث: كتمان الفقر حتى يظن الناس من عفتك أنك غني، وكتمان الغضب حتى يظن الناس أنك راضٍ، وكتمان الشدة حتى يظن الناس أنك متنعم”.
هذا ليس مجرد كلام جميل.. بل هو دستور الرجولة الحقة، وسر قوة القلوب، وطريق الفوز بالجنة! فمن استطاع هذه الثلاث، فقد ملك نفسه، ورفع درجته، وأصبح من الذين يدعوهم الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق. في هذا التقرير نستعرض هذه الجواهر الثلاث بأدلتها من الكتاب والسنة وأقوال السلف، لنعيش بها ونفوز بها.
— الثلاثية المقدسة للرجال الأقوياء والأكارم..
أولاً…كتمان الفقر حتى يظن الناس من عفتك أنك غني
— يُقصد بكتمان الفقر عدم الشكوى منه إلى الخلق، والاستعفاف عن السؤال، مع الرضا بما قسم الله، فهو من أعلى درجات الإيمان والتوكل.
— قال الله تعالى في كتابه العزيز: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءً مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273]. هذه الآية تُثني على الفقراء الذين يخفون فقرهم بالعفة، حتى يظنهم الجاهل أغنياء.
— ومن السنة النبوية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس” (رواه البخاري ومسلم). فالغنى الحقيقي في القناعة والرضا، لا في كثرة المال. كما قال صلى الله عليه وسلم: “الفقير الذي لا يسأل”، مشيراً إلى فضل كتمان الفقر.
— وقال صلى الله عليه وسلم: “ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر” (رواه أحمد). وقال: “ما أخشى عليكم الفقر ولكن أخشى عليكم التكاثر” (رواه البخاري ومسلم في سياق التحذير من الفتن).
— ومن السلف الصالح، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “العفة تمنع الفقر”، وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “القناعة كنز لا يفنى”. هكذا يُبنى الجوهر الإنساني على الاستعفاف، الذي يرفع المرء في أعين الناس ويجعله مستحقاً للأجر العظيم عند الله.
ثانياً… كتمان الغضب حتى يظن الناس أنك راضٍ
— كتمان الغضب هو كظم الغيظ وملك النفس عند الاستفزاز، وهو من أعظم خصال المؤمنين. قال الله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]، وفي موضع آخر: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37]. هذه الآيات تُبين أن الكاظمين الغيظ هم المحسنون الذين يحبهم الله، وهم يغفرون حتى في حال الغضب.
— من السنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب” (رواه البخاري ومسلم). وفي حديث آخر: “من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء” (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه). فكتمان الغضب باب من أبواب الجنة.
— وقال صلى الله عليه وسلم: “ما تجرع عبد جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله” (رواه أحمد). وقال صلى الله عليه وسلم لمن استوصاه: “لا تغضب” (فردد عليه مراراً: لا تغضب) (رواه البخاري).
— من السلف، قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: “الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل”، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: “كظم الغيظ من أعلى درجات التقوى”. هكذا يظهر الرضا الظاهري في وجه المرء، وهو في باطنه يجاهد نفسه لله، فيكون جوهره نقياً.
ثالثاً…كتمان الشدة حتى يظن الناس أنك متنعم
— الشدة هي المصائب والابتلاءات، وكتمانها هو الصبر عليها دون شكوى إلى الخلق، مع الرضا بقضاء الله. قال الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38]، وقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]. وفي الآية: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]. هذه الآيات تُبشر الصابرين الذين يكتمون شدتهم بالأجر الجزيل.
— من السنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له” (رواه مسلم). وفي حديث آخر: “إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط” (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه). وقال صلى الله عليه وسلم: “ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه” (رواه البخاري ومسلم).
— ومن أقوال السلف في كتمان المصيبة: روي عن بعضهم أن من كنوز البر: كتمان المصيبة والمرض والصدقة (مروي في كتب الآثار، ويُنسب إلى السلف). وقال الإمام البيهقي في مناقب الشافعي: “من جواهر البر كتمان المصيبة حتى يظن أنك لم تصب قط”، —- — وقال ابن مسعود رضي الله عنه: “الصبر نصف الإيمان”. هكذا يظهر المتنعم في ظاهره، وهو في باطنه صابر محتسب، فيكون جوهره من نور الإيمان.
وختاما….أيها الأحرار.. أيها الأقوياء في الله!
إن كتمان هؤلاء الثلاث ليس ضعفاً.. بل هو قوة الجبابرة، وعزة المؤمنين، وسلاح التقوى الذي لا يُغلب. فمن كتم فقره عفت نفسه، ومن كتم غضبه ملك نفسه، ومن كتم شدته رضي بربه فأحبه الله ورفعه.
هذا هو جوهر الرجل الحق.. الذي لا تهزه الدنيا، ولا تكسره المصائب، ولا ينفجر غضبه، بل يصبر ويكتم ويحتسب، فيخرج من الابتلاء أنقى وأقوى وأقرب إلى الله.
فيا من تريد الجنة.. خذ بهؤلاء الثلاث، واجعلها دستور حياتك، وستجد الله يجعل لك مخرجاً، ويرزقك من حيث لا تحتسب، ويدعوك يوم القيامة بين يديه ليخيرك من الحور العين، ويوفيك أجر الصابرين بغير حساب!
فيا رب.. اجعلنا من الكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، والصابرين المحتسبين، واجعل جوهرنا من نورك، ومآلنا جنتك، يا أرحم الراحمين.
والله المستعان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
