بقلم : أحمد رشدي
ليس الفِراق حدثًا عابرًا في حياة الإنسان، بل زلزالٌ صامت يعيد ترتيب الروح من جذورها. قد يأتي في صورة وداعٍ على عتبة بيت،
أو رسالةٍ قصيرةٍ تنهي حكايةً طويلة، أو رحيلٍ أبديٍّ لا تسبقه مقدمات.
وفي كل صوره، يترك الفِراق أثرًا لا يُرى بالعين، لكنه يُقاس بارتجافة القلب وثقل الذاكرة وصمت الأماكن بعد أن كانت عامرةً بالخطى والضحكات.

للفِراق أنواعٌ شتى؛ فهناك فِراق الأحبة بالموت، وهو أقسى ما يمر به الإنسان، إذ لا يترك بابًا مواربًا للعودة، بل يضعنا وجهًا لوجه أمام حقيقة الفناء.
وهناك فِراق العاطفة حين تنتهي علاقة كانت يومًا ملاذًا ودفئًا، فيتحول الشريك إلى ذكرى، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى وخزاتٍ مؤلمة. وهناك فِراق الأصدقاء، حين تتباعد الطرق دون خصام، ويأخذ كلٌّ منا مساره في زحام الحياة. بل إن ثمة نوعًا آخر من الفِراق أكثر خفاءً؛ فِراق الأحلام، حين يكتشف الإنسان أن الطريق الذي سلكه لا يقوده إلى ما تمنّى.

آثار الفِراق لا تتوقف عند حدود الحزن؛ إنها تمتد إلى إعادة تعريف الذات. يشعر المرء أحيانًا بالفراغ، وكأن قطعةً من روحه قد انتُزعت. تتبدل عاداته، وتختلف نظرته للأشياء، وتصبح الذاكرة ساحةً مفتوحة بين الحنين والإنكار. بعض الناس يواجهون الفِراق بالصلابة الظاهرة، لكنهم في الداخل يعيشون صراعًا بين الرغبة في التماسك والخوف من الانكسار.
ومع ذلك، فإن الفِراق على قسوته يحمل في طياته بذرة تحول. فالقبول لا يعني الاستسلام، بل الاعتراف بأن ما حدث قد حدث، وأن مقاومة الواقع لا تعيد الغائبين.
أولى خطوات التكيف هي السماح بالحزن، لأن كبت المشاعر لا يلغيها، بل يؤجل انفجارها.
ثم تأتي مرحلة إعادة البناء؛ إعادة ترتيب الأيام، وملء الفراغ بأنشطة جديدة، والبحث عن معنى يتجاوز الألم.
إن الإنسان لا يُقاس بعدد من بقوا في حياته،
بل بقدرته على الاستمرار رغم من رحلوا. فالذاكرة يمكن أن تكون عبئًا إذا حملناها بحسرة دائمة، لكنها تصبح طاقةً إذا حولناها إلى امتنانٍ لما كان.

ومن الحكمة أن ندرك أن بعض أشكال الفِراق ليست خسارةً مطلقة، بل حماية خفية من استمرار وجعٍ أكبر.
التكيف مع الفِراق لا يعني أن الألم يختفي، بل يعني أننا نتعلم كيف نحمله دون أن يسحقنا. نتعلم أن نعيش مع الندبة باعتبارها دليلًا على تجربةٍ عميقة، لا علامة ضعف. فكل إنسانٍ مرَّ بفِراقٍ صادق خرج منه أكثر وعيًا بذاته، وأكثر فهمًا لحدود البشر وتقلبات الحياة.
ويبقى الفِراق امتحانًا للروح؛ إما أن يتركنا أسرى لحظةٍ مضت، أو يدفعنا إلى النضج واكتشاف قوةٍ لم نكن نعلم بوجودها.
وبين الدمع والقبول، وبين الذكرى والبداية الجديدة، يولد إنسانٌ مختلف… أكثر هدوءًا، وأكثر حكمة، وأكثر قدرةً على أن يحبَّ من جديد دون خوف.
