بقلم د.تادي شلقامي
الحمد لله الذي اشتقَّ “الرَّحِم” من اسمه “الرحمن”، وعقد بها نِظام الأديان وصلاح الأبدان، والصلاة والسلام على سيد الوَاصلين وإمام المتقين، القائل في بلاغه المنير: “إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك”.
إنَّ المجتمع المصري اليوم يقف أمام ظاهرةٍ تنهش في أعماقه، وتجتثُّ جذوره التي استمد منها صموده عبر التاريخ. لم تعد قطيعة الأرحام مجرد سلوك فردي عارض، بل تحولت إلى “ثقافة ممنهجة” تُجرف فيها القيم الأصيلة، ويضيع فيها السند الذي كان يحمي الضعيف ويؤوي المنكسر. إننا نرقب بأسى تآكل الروابط الأسرية، لا لسببٍ جليل، بل خلف “مطامع دنيوية واهية” وحطام زائل، غاب معه السند الإلهي، وحلَّ محله الاغتراب النفسي والتمزق المجتمعي. هذا التقرير هو “تشريحٌ للداء” واستنهاضٌ للضمير، يستلهم نوره من الوحي، ويستقرئ الواقع بعدسات علم النفس والاجتماع.
أولاً…. التأصيل الشرعي..
(المدد الإلهي والوعيد المهيب)
— الأمر الإلهي والوعيد الشديد:
ذكر النصوص القرآنية التي تجعل قطع الرحم قرين الإفساد في الأرض {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22]، وتلك التي تهدد القاطعين باللعنة الإلهية التي تُصمُّ الآذان وتُعمي الأبصار.
— الرحم متعلقة بالعرش:
استعراض حديث “الرحم شجنة من الرحمن…” وكيف أن الله يصل من وصلها ويقطع من قطعها، مما يعني أن القطيعة ليست مجرد جفاءٍ بشري، بل هي انقطاعٌ وجودي عن تيار البركة والمدد الإلهي.
— حبسُ الأعمال ومنعُ الجنة:
حديث “لا يدخل الجنة قاطع”، وقول الرسول ﷺ: “إن أعمال بني آدم تُعرض كل خميس ليلة الجمعة، فلا يُقبل عمل قاطع رحم”. فمن قطع رحمه فقد أغلق على نفسه أبواب السماء.
— الفرق بين القاطع والواصل: الواصل الحقيقي هو “من يصل إذا قُطعت رَحِمُه”، أما القاطع فهو الذي ينتظر المعاملة بالمثل ويجعل الدين مادة للمساومة.
ثانياً…. الميراث والأرض..
(الفتنة الكبرى)
— من تركة إلى فتنة: تحليل كيف تحولت التركات (الأرض، الذهب، المال) من ميراث شرعي إلى “نارٍ” تحرق العلاقات بين الإخوة، وتستبدل المودة بالعداوة والتربص.
— الخيانة قبل القسمة: ظاهرة حجب المستندات، والمماطلة في الحقوق، والاستيلاء على نصيب الأيتام والنساء، مما يحول البيوت من سكنٍ إلى ساحات حرب.
— الخلع والطرد: تلك الجاهلية التي تمنع الأخت أو الأرملة من حقها الشرعي، مما يولد أحقاداً تتوارثها الأجيال، ويُفقد العائلة مفهوم “الستر”.
ثالثاً: النسب والتفاخر..
(آفة الكبر والجهوية)
— الجهوية والعصبية: كيف أصبح الانتساب لمكان أو عائلة سبباً للتفاخر على القريب الفقير أو الأقل شأناً، مما يخلق طبقية داخل الدم الواحد.
— زواج الأقارب: (ازدواجية خطيرة) حين يكون الهدف “حبس المال” لا صلة الرحم، فتتحول المصاهرة إلى قيود، وعند أول خلاف زوجي تتقطع أوصال العائلتين تماماً.
— النبذ الاجتماعي: إقصاء القريب الذي يعاني من “عيب اجتماعي” أو فقر مدقع من المناسبات، وكأن الرحم صكٌّ مادي لا رباطٌ إلهي.
رابعاً: الفجوة التعليمية والسوشيال ميديا..
(الاغتراب المعرفي)
–الاستعلاء بالتعليم: فجوة “الشهادات” التي تجعل الابن المتعلم يحتقر أهله أو يبتعد عن أقاربه “الفلاحين” أو “البسطاء”، مما يخلق جداراً من الصلف.
— التفاوت الطبقي: الاختفاء العمدي لبعض الأسر بعد “الغنى” خوفاً من الحسد أو رغبة في قطع صلتهم بماضيهم، وهو نوع من الانتحار الاجتماعي.
— الوهم الرقمي: توهم أن متابعة أخبار الأقارب على “فيسبوك” تغني عن صلتهم، وتحول المشاعر الحية إلى “إعجابات” باردة لا تسمن ولا تغني من جوع.
خامساً…الآثار النفسية.. (سيكولوجية الانبتات)
— فقدان الهوية: المصري بطبعه كائن اجتماعي، والقطيعة تصيبه بتمزقٍ هوياتي وشعورٍ دائم بالاغتراب واليتم الاختياري.
–الاكتئاب والتوتر: تعيش العائلات المتخاصمة في حالة “ترقب قلق”، حيث تُستبدل طاقة الحب بطاقة الحقد والغل التي تنعكس على الصحة النفسية للأبناء.
— الأمراض النفسجسدية: (Psychosomatic) كالضغط والسكر والقولون، التي تتفاقم بسبب الكبت المستمر والغبن الذي لا يجد له متنفساً إلا في الخصام.
سادساً.. الآثار الاجتماعية..
(انهيار الحصن الأخير)
— فقدان السند: غياب العائلة في الأزمات، وتحول المجتمع إلى جزر منعزلة لا ترحم بعضها، مما يسهل انكسار الأفراد.
— تفكك النسيج والتكافل: غياب التراحم المادي والمعنوي، وانتشار دور المسنين كشاهد عيان على عقوق الأبناء وقطيعة الأقارب.
— توارث القطيعة: تحول الخصومات إلى “تراث ثقيل” يحمله الأبناء دون ذنب، فينشأ جيلٌ يكره بـ “الوكالة” ويقطع بـ “العادة”.
سابعاً: العلاج والحلول..
–الوعي الديني الرشيد: تكثيف الخطاب الذي يربط بين صلة الرحم والرزق والعمر، والتأكيد على أنها “عبادة” وليست مجرد “مجاملة”.
— التدخل النفسي والأسري: تفعيل لجان “لم الشمل” وحكماء العائلات لحل النزاعات قبل وصولها للمحاكم التي تزيد الفجوة اتساعاً.
— الحلول الوقائية: المبادرة بكتابة الوصايا وتوثيق الحقوق في حياة الآباء منعاً لنزاع الأبناء.
— التعليم: إدراج قيم “البر والصلة” في المناهج كركيزة للأمن الاجتماعي الوطني.
وفي ختام هذا البيان، لا يسعنا إلا أن نضع كل ذي رَحِمٍ أمام مسؤوليته التاريخية والروحية؛ فالسؤالُ لم يعد عن “زيارةٍ” نؤديها، بل عن “هويةٍ” نَفقدها. ألا يستشعرُ المرءُ فداحةَ الخسران حين يبيعُ “مددَ السماء” بحفنةٍ من “ترابِ الأرض”؟ وكيف يرجو بركةً في ولدٍ أو سعةً في رزقٍ وهو يبني جداراً من الجفاء بينه وبين أصله؟
إنَّ صلةَ الرَّحم في الوجدان المصري ليست ترفاً بروتوكوليًا، ولا هي (كوب شاي) يُحتسى في العيد، أو (رسالةً رقمية) تُرسل في رمضان؛ بل هي “شريانُ حياة”، وعروةٌ وثقى تربط الأرض بالعرش. إن القاطع لرحمه لا يقطعُ قريبه فحسب، بل يقطعُ خيطَ النور الذي يربطه بمرضاة الرحمن، ويحكمُ على نفسه بـ “اليتمِ الوجداني” والشتاتِ النفسي.
إنَّ فدانَ الأرض الذي تتقاتلون عليه سيبقى، والذهبَ الذي تكنزونه سيفنى، ولن يبقى للمرءِ في عواصف الحياة إلا “عزوةٌ” تضمه، و”دعواتُ بظهرِ الغيب” ترفعه. فليعلم كلُّ من أعرضَ ونأى بجانبه، أنَّ القريبَ الذي استغنيتَ عنه في “زمن مادتك”، هو السندُ الذي ستبحثُ عنه ذليلاً حين يغدر بك الزمان.
فيا أيها الواصلُ: طِب نفساً فإنَّ الله معك، ويا أيها القاطعُ: انتبه قبل أن يُغلق الكتابُ، فتجد نفسك “مبتوراً” من كل بركة، محروماً من كل مدد.
”اللهمَّ يا رحمنُ يا واصل المنقطعين، بلِّل جفافَ قلوبنا بفيضِ رحمتك، وأعذنا من كِبْرٍ يفرقنا، ومن طمعٍ يُعمينا، واجعلنا ممن يصلون ما أمرتَ به أن يُوصل، واجمع شملنا في طاعتك، وردَّنا إلى فطرتنا ردّاً يجمعُ القلوب ويُصلحُ الدروب.”
