بقلم: د.نادي شلقامي
أيها الباحث عن النور في عتمة الطريق، أيها المتشوق إلى نسمات القرب في زمن الغفلة،
حين تتعالى أصوات المادة وتخفت همسات الروح، وحين تتزاحم تفاصيل الحياة فتضيع معالم الطريق، يبقى السؤال الأزلي يدق في أعماق النفس: أين المفر؟ وأين الملجأ؟
إن أثمن ما نملكه في سباق الزمن ليس الساعات التي تمر، بل هي لحظات “القرب” الصادقة التي ننتزعها من ضجيج الحياة لنعيد بها وصل ما انقطع مع السماء. إنه بحث الإنسان الدائم عن الأمان المطلق في عالم لا أمان فيه، عن الحضن الدافئ الذي لا يبرد، وعن الصاحب الذي لا يخون. إنها رحلة الفطرة بحثًا عن بارئها لتنال سكينةً تمتد آثارها من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.
وفي خضم هذا البحث المتعب، تنزل الآية الكبرى كالبلسم:
{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128].
“معية الله”… كلمتان تحملان كونًا من السكينة، وجيشًا من النصر، وحصنًا منيعًا من الوحدة والخذلان. هي حقيقة شرعية، وواقع نفسي، ومنهج اجتماعي متكامل، تتجلى أسمى صورها في الأيام المباركة، حيث تتضاعف الحسنات وتفتح أبواب السماء وتدنو المسافات لمن أراد الزلفى.
فكيف نغتنم هذا القرب وننال هذه الصحبة الإلهية التي تحول الأيام العادية إلى رحلة مع الله، لنفوز بالسكينة في الدارين؟ هذا ما نستجليه هنا من منطلق ديني راسخ، ونفسي عميق، واجتماعي معمر.
نسأل الله أن يجعلنا ممن قال فيهم: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 77]، وأن يرزقنا معية تليق بجلاله.
أولا…. المعية الإلهية: المفهوم والأركان
— المعية في اللغة: المصاحبة والاجتماع.
— في الشرع: تنقسم إلى:
1- معية عامة: لكل الخلق بالعلم والقدرة: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4].
2- معية خاصة (المقصودة هنا): التأييد والنصر والمحبة والرعاية، مقيدة بشرطين:
أ- التقوى: الوقاية من عذاب الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي.
ب- الإحسان: عبادة الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك (ذروة الإيمان).
ثانيا… المنظور الديني: الأسس الشرعية لنيل المعية
لنيل المعية الخاصة، سلك السبل التي شرعها الله، خاصة في الأيام المباركة:
1- تصحيح التصور والعقيدة:
— اليقين الجازم بأن الله {مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}.
— النصر والعزة بيد الله: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8].
— المعية مع الصابرين: {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153]، فالصبر في الابتلاء باب واسع للمعية الخاصة.
2- التزكية والطاعة:
— الصلاة في أوقاتها: قال ﷺ: «وجُعلت قرة عيني في الصلاة» (رواه النسائي وأحمد، صحيح).
— الذكر: «أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه» (حديث قدسي، رواه ابن ماجه وصححه ابن حبان).
— الدعاء والمناجاة: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد».
— الاستغفار والتوبة: الذنوب تحجب المعية، والتوبة تعيدها.
3- فضل الأيام المباركة: قال ﷺ: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» يعني أيام العشر (رواه البخاري)، فتضاعف فيها الحسنات، وتنزل النفحات الربانية.
ثالثا….المنظور النفسي: بناء السلام الداخلي واليقظة الروحية
المعية حالة نفسية عظيمة تتجاوز مجرد الشعور:
— الطمأنينة والأمن النفسي: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62]، دستور الصحة النفسية.
— اكتشاف الهوية والقيمة: «من عرف الله عرف نفسه»، فأنت عبد لملك الملوك، فلا تحتاج تأكيدًا من البشر.
— علاج الوحدة والاغتراب: الأنس بالله يزيل الوحشة. قال ابن القيم رحمه الله: «لا تطيب الدنيا إلا بذكره، ولا الآخرة إلا بعفوه، ولا الجنة إلا برؤيته». وأيضًا: «الأنس بالله حالة وجدانية تقوى بدوام الذكر، وصدق المحبة، وإحسان العمل».
— مفارقة المعية والسكينة وسط البلاء: المعية لا تعني بالضرورة أن يخلو طريقك من الأشواك، بل تعني أن يمنحك الله حذاءً من اليقين تعبر به فوقها دون ألم. هي معية إبراهيم في النار، وموسى أمام البحر، ومحمد ﷺ في الغار؛ فالظرف الخارجي قاصٍ، والداخل يفيض ببرد السلام.
— التحرر من قلق الزمان: تدريب النفس على استشعار المعية يحرر الإنسان من (قلق المستقبل) و(حزن الماضي)، ويجعل العبد يعيش لحظته الراهنة بكامل طاقته الروحية، مما يقلل تشتت الذهن ويرفع كفاءة الإنجاز.
رابعا… المنظور الاجتماعي: بناء مجتمع المعية
— المجتمع المتماسك: معاملات بالإحسان والمراقبة لله، تظهر في التكافل (صدقة، صلة رحم) في الأيام المباركة.
— الإصلاح والتمكين: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24].
— القدوة الحسنة: أخلاق قرآنية تنشر عبير الخير، فينجذب الناس إلى الله.
— قاعدة الأثر المتعدي: من علامات معية الله للعبد أن يجعله “مباركاً أينما كان”، فالمؤمن الذي يعيش في رحاب الله يتحول إلى مصدر طمأنينة لمن حوله، يقضي حوائجهم ويجبر خاطرهم، فمن كان مع الله، سخر الله قلوب الخلق لتكون معه.
خامسا …خريطة طريق عملية للأيام المباركة (البرنامج اليومي)
لنستغل هذه الأيام ونكون في معية الله:
1- صلاة الفجر في وقتها: (مفتاح النهار، في ذمة الله).
2- ورد قرآني يومي: (كلام الله أنيسك).
3- صدقة يومية: (ولو بالقليل، تطفئ غضب الرب).
4- صلة الرحم وتفقد الأهل.
5- قيام الليل: (ولو بركعتين، خير من الدنيا).
6- كف الأذى وبذل المعروف: («أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس»).
7- الإكثار من الذكر: والتكبير والتهليل والتحميد (خاصة في عشر ذي الحجة).
8- الاعتكاف ولو ساعات: (أو خلوة بالله في البيت).
9- تحري أوقات الإجابة والاستغفار الكثير.
10- مؤشر المحاسبة اليومي: اسأل نفسك قبل النوم: هل استشعرت افتقاري لله اليوم بكلمة “لا حول ولا قوة إلا بالله”؟ هل تركت ذنباً في الخلوة تعظيماً لمن يراك؟
— وختاما…. عهدُ الوصل.. لا ينقطع
أيها الساعي إلى الله، إنَّ “معية الله” ليست محطةً نصل إليها ثم نغادر، بل هي حالٌ نعيشُه، ونَفَسٌ نتنفسه، ووعدٌ صادق لمن صدقوا وساروا على درب المتقين المحسنين. إنَّ هذه الأيام المباركة ما هي إلا “موانئُ نجاة” في بحر الحياة المتلاطم، ومحطاتُ تزوّدٍ ربانية تذكرنا بأنَّ الله -عز وجل- أقربُ إلينا من حبل الوريد، ينتظرُ منا خطوةً ليتقرّب إلينا ذراعاً.
فيا من ذاق حلاوة الأُنس في خلوته، ويا من استشعر برد اليقين في سجدته؛ لا تجعل رحيل الأيام المباركة رحيلاً للقرب، بل اجعلها ميلاداً جديداً لروحك، وتذكرة عبورٍ دائمة نحو “السكينة في الدارين”. مدَّ يدك بالدعاء، وقلبك بالخشوع، وجوارحك بالطاعة، واعلم يقيناً: أنَّ من كان الله معه، فقد حِيزت له الدنيا وما فيها، ومن فَقَدَ معية الله، فماذا عساه أن يجد؟
اخرج من هذه المواسم وقد انجلت عن بصيرتك غشاوة الغفلة، واجعل شِعارك في كل نَفَس: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}. فالمعيةُ مأمن، والقربُ مأوى، والرضا جنةٌ معجلة قبل جنة الخلود.
اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، واجعلنا من أهل ودّك ومعيتك الخاصة، ممن قلت فيهم: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرشدنا لسبيل القرب، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
