بقلم: أحمد رشدي
كان المساء يهبط ببطء كأنّه يخاف أن يوقظ
،الجراح القديمة في قلبي
وكنتُ أراكِ في كل زاوية من الغياب
،في رائحة القهوة الباردة
،في المقعد الذي ظلّ ينتظر دفء وجودكِ
في المرايا التي لم تعد تعكس سوى وجهٍى الخالٍ من الحياة
كنتِ لي الوطن حين ضاق العالم
كنتِ صلاتي حين هرب الدعاء من شفاهي
كنتِ أنشودة الطفولة التي خبأتها بين دفاتر العمر
وكنتِ الحلم الذي استيقظ باكراً ليموت
لم أكن أظن أن الغياب له شكل
لكنّي عرفته حين غادرتِ
كان يشبه يدي حين فقدت دفء يديكِ
وكانت خطواتي تتعثّر في فراغٍ اسمه أنتِ
الوفاء يا حبيبتي ليس وعداً
إنّه وجعٌ دائم
يشبه إحساس القلب حين يتذكّر من رحل
أنا ما زلتُ أكتبك في كل مساء
كأنّ الكتابة آخر شكلٍ من أشكال البقاء
أجلس على حافة الليل
أحدّث قمراً لا يجيب
وأخبره أنّ عينيكِ كانتا أصدق من كلّ ضوءٍ رآه
وأنّ الدمع صار لغتي حين صمتتِ الحياة
وحين يسألني الناس عنكِ
أبتسم كمن يخفي نزفاً
وأقول: كانت هنا،
ثم رحلت ،
كنسمةٍ
لكن رائحتها ما زالت على
كتفي…
الليلة
سأضع صورتك قرب قلبي
وأغفو
لعلّي ألقاكِ في حلمٍ لا يعرف الفجر طريقه
فأبكي هناك…
كما يبكي من وجد حبّه بعد فوات الأوان
…….
كم كان العالم جميلاً حين كنتِ فيه
كانت الأشياء الصغيرة تكتسب معناها منكِ
ضحكتك كانت تفتح النوافذ للفرح
ونظرتك كانت تمنحني يقيناً بأن الغد لا يمكن أن يكون إلا جميلاً
كنتِ المعنى في كل ما يقال وما لا يُقال
كنتِ الدفء الذي أخفاه القدر عن الآخرين ووهبني إيّاه
….
الآن يا حبيبتي
كل شيء فقد ملامحه
حتى اسمي لم يعد يهمس به أحد كما كنتِ تفعلين
وصوتي حين يناديك في الغياب
يرتدّ إليّ كغريبٍ تاه عن بيته
لم أعد أرى في الليل سوى سوادٍ يشبه فراغ صدري
ولا في الصباح سوى شمسٍ تتلعثم حين تبحث عن وجهك
أتعلمين شيئاً عن الحنين ؟
الحنين ليس ما نعيشه في لحظة ضعف
إنه ما يسكننا إلى الأبد
ما يجعلنا نضحك ونبكي في اللحظة نفسها
هو ذاك الصوت الذي يوقظ القلب كلما حاول أن ينسى
وكأنّ النسيان خيانة لا أقدر عليها…
أكتبك الآن
والحبر يختنق بين أصابعي
كأنّه يعرف أنّ كل كلمة أقولها
لن تُعيدك
وأنّ الرسائل التي لا تُرسل
هي أشدّ أنواع الحنين وجعاً
لو تعلمين كم أفتقدك في التفاصيل الصغيرة
في ضوء الغرفة حين يبهت
في فنجان القهوة الذي صار بارداً دونك
في الأحاديث التي لا تجد من يشاركها
حتى النسيم حين يمرّ من نافذتي
يذكّرني بأنفاسك التي كانت تسبق الكلام
….
يا امرأةً غابت ولم تغب
يا غصّةً تسكن قلبي ولا تذوب
سأظلّ أكتبك ما بقي في القلب نبض
وما بقي في الدمع طريق
وحين يخذلني القلم
ويذوب الحبر في وجعي
سأهمس باسمك للمرة الأخيرة
وأغلق الصفحة على دمعةٍ
هي آخر ما تبقّى من دموعي
الآن …
وضعتُ صورتك على صدري كما توضع الأمانة في كفّ الراحلين
حدّثتها عن العمر الذي مرّ دونك
عن الحنين الذي لم يعرف طريقاً للهدوء
عن قلبي الذي ظلّ واقفاً عند بابك ينتظر
عودتك ولو صدفة
كتبتُ لك رسالة لم تكتمل
انطفأ القلم قبل أن أصل إلى كلمة أحبك
كأنّ القدر أراد أن يحتفظ بها بيني وبينه
ليشهد أني ما خنتك يوماً
ولا سلّمتك للنسيان
ثم أغمضتُ عيني
ورأيتكِ تقتربين
كما كنتِ تفعلين حين يضيع مني الطريق
تمدّين يدكِ وتقولين بصوتٍ يشبه المطر
“ها أنا هنا يا حبيبي”
ابتسمتُ…
وانسكبت دمعة أخيرة
دمعة دافئة خفيفة
حملت معها كل ما تبقّى مني
ثم سكن كل شيء
وصار الليل بعدها أكثر صمتاً
وانطفأ الضوء …
……
