بقلم: سمير المطيعي
دمعة ساخنة تتساقط الآن حينما تذكرت تلك الأم الطيبة التي توقظني من أعماق نومي،
فأنا تحت لحاف دافئ كانت تقوم بتنجيده بين الحين والآخر، مع إضافة كمية من القطن الجديد إلى القطن القديم، مع تغيير الغطاء بلون جديد من القماش الفضفاض اللامع.
“اصحي”، تقول: ها تتأخر على المدرسة.
تنادي عدة مرات بإلحاح، فأنسحب بالعافية متغصبًا من تحت اللحاف الدافئ. وتقوم: “اغسل وشك، وأسنانك” وأنت نصف نائم أو مغمض العينين،
وتلبس هدوم المدرسة وتستعد للخروج وأنت متكدر كما لو كنت رايحًا لعمل شاق في معتقلات تكسير الأحجار أو تكدير السجون.
بعد ما تكون أمك تسحب حقيبة الكتب، ثم دست بيديها الطيبتين رغيف فينو به جبن، وآخر محشو حلاوة طحينية. وياسلام لو شميت ريحة الجبنة الرومي أو البسطرمة،
فهي لا تنسى أن تضع بين ضفتي الخبز ووسط الجبن قطعتين من الخيار، وياسلام لو زيتونتين.
تفعل هذا لأنها تعرف أنك تحب أن تأكل في فسحتك بهذا النظام اليومي.
وهل تتذكر تلك القطعة المعدنية التي كانت تدسها بين يديك الصغيرتين الناعمتين وتقول لك: “هذا مصروفك، وأوعي تصرفه في التوافه أمام باب المدرسة حيث الباعة الجائلون”.
والآن معك طعام فسحتك ومصروفك في جيبك.
أرأيت معي الباعة الجائلين؟ فهذا الرجل يبيع السكر النبات، وآخر بائع خروب، وثالث يقف بعربة الدوم والحرنكش. وفي الفترة المسائية حيث يقف بائع الكشري بعربته الكبيرة،
أما بائع حمص الشام الواقف على بعد أمتار من بوابة المدرسة، حيث يلتف معظم التلاميذ حول عربته ذات الألوان الصفراء والحمراء والمكتوب عليها حكم وأمثال من واقعنا المصري.
هل رأيت كيف تشرب مياه حمص الشام الساخن وقد أضفت إليه قليلًا من الليمون وكثيرًا من الشطة الحارة؟ ليس لأنك تحب الشطة، لا، لكن لأن أصحابك يتبارون ويقولون: “من منا يستطيع أن يشرب مياه الحمص الساخن بأكبر كمية من الشطة؟”
فنسحب مياه الحمص بتلك الشفاطات الزجاجية الملتوية الجميلة الأشكال ذات الزوايا القائمة والملتوية والمستديرة،
المختلفة الأشكال، ونبتسم بعضنا لبعض حينما نرى انسياب شراب الحمص خلالها، آخذًا شكلها باللون الأصفر المائل للاحمرار.
هل رأيت العرق يتساقط من جبينك وأنت تنهي على كوب الحمص بهذه الكمية من الشطة الحارة؟ والغريب أنك تضحك ويضحك معك الرفاق، ونذهب لفصولنا بكل الطاقة والحرارة، بل بملء الافتخار بالبطولة التي أنجزناها: لقد شربنا الشطة بالحمص، وليس الحمص بالشطة.
يوم طويل بالمدرسة، بما فيه من مدرسين معظمهم متخلفون ومرضى بعقد نفسية ومركبات نقص، لا تعوض إلا بالضرب بالعصي والشتائم بالألفاظ النابية.
ومع الأيام تيقنت أن كل هؤلاء المرضى كانوا يعوضون نقائصهم وضعفهم في مواد تخصصاتهم بأسلوب العصا والشتائم.
هل أطلقت معي أسماء وكنايات على بعض من هؤلاء المدرسين؟ هذا الأستاذ “برغوتة”، والأستاذ “صنقر”، وصاحب الضمير المستتر، الخ الخ…
تذكرت الفسحة والشقاوة والتربيطات، وشارة جماعة الإسعاف البيضاء اللي كنت تلبسها وتتبختر بها.
هل تتذكر جماعة الشرطة المدرسية، وشارة الجماعة الصحية حينما تضعها على ذراعك وتسير بين زملائك في فناء المدرسة؟ ويا ويل الولد اللي يرمي قدامك ورقة أو أي نوع من القمامة!
جماعة الصحافة والإذاعة المدرسية، وفرق الموسيقى والرسم والفنون، وكل طالب ينخرط في المجموعة التي يحبها ويأمل أن يبدع فيها. لا ننسى جماعة الزراعة التي كانت تهتم بتزيين فناء المدرسة بالورود.
هل مازال هذا الأسلوب التربوي يطبق في مدارسنا؟
وإن كان مازال يطبق، إذن فلماذا أصبحت القمامة وقبح شوارعنا هي الظاهرة السائدة في بلادنا، دون الإحساس من قبل شبابنا بأنهم يعيشون وسط مجتمع مملوء بالمخلفات والقاذورات في معظم المناطق ببلادنا؟
وإن كان يطبق، إذن من أين نبع ذلك الجيل الجديد الذي لا نسمع منه إلا العبارات النابية، ويسيرون ويتعاملون بين الناس بأسلوب البلطجة؟
أين ذهب جيلنا؟؟
