بقلم السيد عيد
أنا لستُ كاملًا، ولا أنوي أن أكون.
فالكمال حالة من الجمود، وأنا رجل يفضل أن يتعثر في الطريق بدلًا من أن يقف بثبات في العدم.
يقولون إن الإنسان خُلق على الصورة الأحسن، وأظن أنني كنت يومها غائبًا عن جلسة التوزيع، فجاء نصيبي مزيجًا بين شاعرٍ ضلّ طريقه إلى الديوان، ومواطنٍ ضلّ طريقه إلى نفسه.
أستيقظ كل صباحٍ وفي رأسي رغبة عارمة في إصلاح العالم،
لكنني أبدأ بإصلاح غطاء الوسادة.
أنظر إلى المرآة بجدية الفلاسفة، ثم أبتسم لها بخفة المهرّجين؛
فالحياة قصيرة جدًا لأن نتعامل معها بوجهٍ واحد.
أنا مشروعُ إنسانٍ أرهقته المسودّات.
كلما ظن أن فصلاً اكتمل، اكتشف أن القلم ما زال يقطر حبرًا من الحيرة.
أحمل في جيبي أحلامًا مؤجلة، وفي قلبي فوضى منظمة،
وفي رأسي مئة فكرة تبدأ جميعها بكلمة: “غدًا”.
أحب النظام من بعيد، كمن يُعجب بامرأةٍ لا يستطيع الاقتراب منها.
وأحترم المواعيد كما يحترم المؤمن صلاته… حين يتذكرها.
أتظاهر بالحكمة، لكنني في الحقيقة أجيد فقط فن التبرير النبيل.
أبدو هادئًا، لكن في داخلي ضجيجُ مدينةٍ لا تنام،
وأضحك ملء وجهي لأنني إن لم أفعل، سيأكلني التفكير.
لقد تعلمتُ أن أسخر من نفسي قبل أن يسبقني أحد،
وأن أحتفل بانكساراتي كما يحتفل الشاعر بقافيةٍ صدفةً أجادها.
في الليل، أجلس أنا ونفسي نتحادث بلا ضجيج:
تسألني: “هل فهمت الحياة؟”
فأجيبها بضحكةٍ نصفها يأس ونصفها حنين:
“لم أفهمها… لكنني صرت أحب غموضها.”
أنا لست رجلًا ناجحًا كما يُحب المجتمع أن يراني،
ولا فاشلًا كما تهمس هواجسي.
أنا ببساطة: كائنٌ يحاول أن يعيش بشرفٍ في زمنٍ يبيع الضحك بالتقسيط،
ويشتري الأحلام بسعر السوق السوداء.
أنا باختصار خطأ جميل في نسخة الحياة،
لا أريد إصلاحه،
بل أكتفي بتلميعه كل صباحٍ بابتسامةٍ جديدة،
كمن يقول للعالم
“نعم، ما زلت هنا… وما زلت بخير.”
