بقلم: أحمد رشدي
كان العرب أصحاب ذكاء فطري ولسان حاضر، يجمعون بين الحكمة والفكاهة، وبين سرعة البديهة وحلاوة التعبير. وقد امتلأت مجالسهم بقصصٍ طريفةٍ تضحك القلوب قبل الشفاه، وتكشف عن روح الدعابة التي ميّزت العرب قديمًا. في تلك النوادر ما يبهج النفس ويُعلّم العقل بخفة ظلٍ لا تخلو من عبرة.
—
من نوادر الطفيليين
دخل رجلٌ طفيلي على قومٍ لم يُدعَ إلى طعامهم، فجلس بثقةٍ وقال: “إني أرى الطعام قليلًا، فهل أطبخ لكم شيئًا؟” فضحك القوم وقالوا: “نعم، إن شئت.” فجلس يأكل معهم حتى شبع، ثم قال مبتسمًا: “الطعام لذيذٌ ما شاء الله، ولكن أين القدر التي أطبخ فيها غدًا؟”
وجلس طفيلي آخر على مائدةٍ لا يعرف أصحابها، فلما فرغ من الأكل قال له أحد الجالسين: “ألست غريبًا عنا؟” فأجابه بثقة: “بل أنتم الغرباء، فقد جئت إلى الطعام قبلكم!”
—
من نوادر الأعراب
جاء أعرابي إلى طبيبٍ وقال له: “يا حكيم، بطني يؤلمني!” فسأله الطبيب: “ما الذي أكلت؟” قال: “أكلت خبزًا وتمراً.” قال الطبيب: “ومتى تألمت ؟” قال: “حين لم أجد المزيد!”
وسُئل أعرابي عن الحساب، فقال: “إن أعطيتني درهمين أخذتهما، وإن أعطيتني ثلاثة أخذتها، أما إن أعطيتني أربعة هربت، فذلك كثير لا أطيقه!”
ورُوي أن أعرابيًا دخل على والٍ فقال له الوالي متفاخرًا: “بلغني أنك لا تمدح أحدًا.” فقال الأعرابي مبتسمًا: “بلى، ولكن لم أجد من يستحق.”
—
من طرائف البخلاء
قيل إن رجلًا بخيلًا رأى غلامه يأكل خبزًا بالبصل، فقال له غاضبًا: “ويحك! ألا تعلم أن البصل يفتح الشهية؟ كل خبزك وحده حتى لا تجوع أكثر!”
ودخل بخيلٌ بيته فوجد زوجته تطبخ لحمًا، ففزع وسألها: “من أين لكِ هذا؟” قالت: “اشتريته من مالك.”
فقال وهو يتنهّد: “ردّيه إلى الجزار فورًا، فلعلنا نربح دعاءه حين نرجعه!”
—
مواقف عربية طريفة
وسُئل رجل يومًا: “أين كنت؟”
قال: “في المسجد.”
قال السائل: “وإن لم أجدك هناك؟”
قال: “فأنا في البيت.”
قال الرجل: “وهكذا لا أراك أبدًا!”
قال: “وهذا مرادي!”
قال رجلٌ لآخر كان يتفاخر بعقله: “العقل كالسيف، لا يُمدح إلا إذا استُعمل،
وأخشى أنك لا تُخرج سيفك من غمده أبدًا!”
وحُكي أن رجلًا جاء إلى السوق يشكو فقره، فقال له أحد التجار: “لو كنتَ صادقًا ما ضحكت!” فقال الرجل: “ومن قال لك إني أضحك؟ هذا وجهي الطبيعي منذ ولدتني أمي!”
—
من نوادر الأزواج
تشاجر رجل مع زوجته فقال لها: “أنتِ السبب في كل ما أنا فيه!” فقالت: “عجيب! ألم تكن تقول إنك سعيد قبل الزواج؟” قال: “كنت أحمق آنذاك!”
وقالت امرأة لزوجها: “لو كنت رجلًا حقيقيًا لقاتلت من أجلي!” فقال لها: “وأين هو لأقتله؟” قالت: “في خيالي!” فقال مبتسمًا: “الحمد لله أنه لم يخرج منه!”
—
من نوادر الحكماء
قال أحد الحكماء لتلميذه: “إذا رأيت الناس يمدحونك فاتهم نفسك، فقد يكون ذلك بداية سقوطك.” فقال التلميذ ضاحكًا: “وإذا ذمّوني؟” قال الحكيم: “فابحث عن عيبك، لأنهم ربما صدقوا هذه المرة!”
وروى رجل عن قاضٍ أنه قال لأحد المتخاصمين: “إن كنتَ مظلومًا فالله معك، وإن كنتَ ظالمًا فخصمك معك، فاختر من ترافق!”
—
وأخيراً فقد كانت النوادر عند العرب مرآةً لذكائهم وفطنتهم،
فيها دعابةٌ خفيفةٌ تسرّ القلب وتكشف عن حكمةٍ عميقةٍ في ثوبٍ من الضحك.
تلك القصص المليئة بالسخرية البريئة والذكاء اللامع هي تراث خالد من روحٍ لا تعرف الجمود ولا تفارقها البهجة.
—
المصادر:
كتاب البخلاء للجاحظ
المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي
نثر الدرر للآبي
عيون الأخبار لابن قتيبة
البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي
