كتبت: د. إيمان بشير ابوكبدة
تُعدّ حساسية الطعام من المشكلات الصحية الشائعة لدى الأطفال، إذ تُصيب ما بين 5 إلى 8 من كل 100 طفل سنويًا، وهناك أكثر من 170 نوعًا من الأطعمة قد تسببها.
وكما هو الحال في الحساسية التنفسية أو الجلدية، قد تظهر حساسية الطعام بأعراض مختلفة تمس أجهزة متعددة من الجسم، مثل الجهاز التنفسي (العطس، السعال، الربو)، أو الجلد (الاحمرار، الطفح الجلدي، التهاب الجلد)، أو الجهاز الهضمي (الإسهال، آلام البطن).
وعند ملاحظة أي من هذه الأعراض على الطفل، حتى وإن كانت بسيطة، يُنصح الوالدان بمراجعة طبيب الأطفال فورًا.
الفرق بين حساسية الطعام وعدم تحمّله
تُعرَّف حساسية الطعام بأنها استجابة غير طبيعية من الجهاز المناعي تجاه مادة غذائية معينة، مثل بروتين الحليب مثلًا، حتى عند تناول كمية ضئيلة منها. وتظهر أعراضها عادة في صورة حكة، أو طفح جلدي، أو ضيق في التنفس، وقد تتطور أحيانًا إلى صدمة تأقية وهي حالة طارئة تستدعي تدخلًا سريعًا.
أما عدم تحمّل الطعام فهو يختلف تمامًا؛ إذ لا يرتبط بالجهاز المناعي، بل بقدرة الجسم على هضم مكونات معينة. وغالبًا ما يسبب انزعاجًا في الجهاز الهضمي كالإسهال والانتفاخ.
وهو يعتمد على الجرعة؛ أي أن شدة الأعراض تزداد مع كمية المادة المستهلكة.
من الأمثلة المعروفة: عدم تحمّل اللاكتوز الناتج عن نقص إنزيم “اللاكتاز” اللازم لهضم سكر الحليب.
الغلوتين: حساسية أم عدم تحمّل أم مرض مناعي ذاتي؟
الغلوتين هو بروتين يوجد في القمح وبعض الحبوب مثل الشعير والجاودار والحنطة.
ويُستخدم أحيانًا مصطلح “عدم تحمّل الغلوتين” بشكل غير دقيق، إذ يجب التمييز بين ثلاث حالات مختلفة:
مرض الاضطرابات الهضمية (السيلياك): وهو مرض مناعي ذاتي يؤدي فيه تناول الغلوتين إلى تلف مؤقت في الزغابات المعوية، مما يسبب سوء امتصاص وتأخرًا في النمو لدى الأطفال.
حساسية القمح: وهي رد فعل مناعي تجاه أحد بروتينات القمح، وقد تسبب أعراضًا تحسسية كلاسيكية مثل الربو أو التهاب الأنف أو التهاب الملتحمة.
حساسية الغلوتين غير الاضطرابات الهضمية: لا تسبب تلفًا في الأمعاء، لكنها تؤدي إلى أعراض هضمية كالألم والقيء والإسهال، إضافة إلى صداع وتعب، وتتحسن الحالة عند إزالة الجلوتين من النظام الغذائي.
التشخيص الطبي ضرورة أساسية
يُحذر الأطباء من الاعتماد على التخمين أو الاختبارات غير الموثوقة في تشخيص الحساسية.
فالطريقة الصحيحة هي استشارة طبيب الأطفال الذي يجري فحوصات محددة تشمل:
أخذ التاريخ المرضي بدقة.
اختبارات وخز الجلد.
فحوصات الدم لقياس الأجسام المضادة من نوع IgE (العامة RIST أو النوعية RAST).
وفي بعض الحالات، قد يلجأ الطبيب إلى اختبار التحدي الغذائي، حيث يُعطى الطفل الطعام المشتبه به في بيئة طبية آمنة لمراقبة أي رد فعل محتمل.
العلاقة بين التهاب الجلد التأتبي وحساسية الطعام
في كثير من الأحيان، ترتبط الحساسية الجلدية بالحساسية الغذائية ارتباطًا وثيقًا.
ففي حالة التهاب الجلد التأتبي، يكون الحاجز الجلدي ضعيفًا، مما يسمح بدخول مواد مهيجة (مثل مسحوق الفول السوداني) إلى الجسم وتحفيز الجهاز المناعي.
كما يمكن أن تحدث تفاعلات متبادلة بين مسببات الحساسية بسبب التشابه في تركيبها الكيميائي.
على سبيل المثال:
الطفل المصاب بحساسية من البطيخ قد يُظهر تفاعلًا مماثلًا مع الموز.
ومن يعاني من حساسية حبوب اللقاح من شجر البتولا، قد تظهر لديه أعراض تحسسية عند تناول التفاح أو الخوخ.
ليست حكمًا مدى الحياة
يقلق الكثير من الآباء بشأن استمرار حساسية الطفل مدى حياته، لكن الخبر السار هو أن معظم أنواع الحساسية التي تظهر في المراحل المبكرة تزول تدريجيًا مع التقدم في العمر، وغالبًا قبل بلوغ الطفل عامه الأول.
وفي بعض الحالات، قد يُوصي الطبيب بمحاولة إعادة إدخال الطعام المسبب للحساسية بعد فترة من إيقافه (تتراوح بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع) لتقييم مدى تحسن التحمل المناعي لدى الطفل، ولكن تحت إشراف طبي فقط.
