كتبت/ سالي جابر
بين طيات البردي الهشّ الذي اصفرّ مع الزمن، عاشت بردية وستكار قرونًا طويلة حاملةً قصصًا نسجها خيال المصري القديم قبل آلاف السنين. لم تكن هذه البردية نصًّا دينيًّا صرفًا، ولا سجلًّا ملكيًّا جامدًا، بل كانت تحفة أدبية تمزج بين الحكمة والسحر، بين الواقع والأسطورة، وبين الملوك والكهّان في إطار قصصي ممتع ومليء بالرموز.
اكتُشفت البردية في القرن التاسع عشر، ضمن مجموعة الأثري الألماني هنريش وستكار (Westcar)، ومن هنا جاءت تسميتها.
البردية اليوم محفوظة في متحف برلين (رقم السجل P. Berlin 3033).
تعود كتابتها إلى عصر الدولة الوسطى (حوالي 1800 ق.م)، لكنها تتحدث عن أحداث وقعت في عصر الملك خوفو من الأسرة الرابعة، أي قبل ذلك بنحو قرنين.
تضم البردية أربع قصص (أو خمس، لأن بدايتها تالفة)، تُروى في بلاط الملك خوفو، حيث يجتمع مع أبنائه في قصره الفخم، ويطلب منهم أن يسردوا عليه قصصًا عن العجائب التي قام بها الحكماء والسحرة في عصور سالفة.
كل ابن من أبناء خوفو يروي حكاية عن كاهن أو ساحر صنع معجزة، وكان الهدف من القصص إمتاع الملك وإبراز حكمة المصري القديم في فهم القوى الخفية والطبيعة.
القصة الأولى (مفقودة جزئيًا)
بداية البردية تالفة، لكن يُعتقد أنها كانت تتحدث عن أحد الحكماء الذين عاشوا قبل خوفو وقاموا بأمر خارق للطبيعة.
القصة الثانية: ساحر يردّ الحياة لتمساح من الشمع
تحكي عن الكاهن جدي الذي صنع تمساحًا من الشمع ليكشف خيانة أحد الرجال لزوجته. التمساح يتحول إلى حيوان حقيقي عندما يُلقى في الماء، ثم يعود شمعًا بأمر الساحر. القصة تُظهر قوة الكلمة والسحر كوسيلة لتحقيق العدالة.
القصة الثالثة: معجزة في معبد رع
تروي عن كاهن يعرف سرّ البحر والنار، وكيف أن المصريين رأوا في العلم والسحر وجهين لمعرفة واحدة، معرفة تتجاوز الحواس.
القصة الرابعة: نبوءة ولادة ملوك الأسرة الخامسة
وهي أهم القصص على الإطلاق.
يتنبأ الساحر جدي للملك خوفو بأن زوجة كاهن رع رددجدت ستلد ثلاثة أطفال، سيكونون ملوك مصر بعده، وهم أوسركاف، ساحورع، نفرإيركارع — مؤسسو الأسرة الخامسة.
تُختتم القصة بمشهد رمزي ساحر: ولادة الأطفال الثلاثة بمعونة الآلهات إيزيس ونفتيس وميزت، وسط نور وإشراق يوحي بقدوم عهد جديد من الملوك أبناء الإله رع.
الرمزية والفكر وراء البردية:
بردية وستكار ليست مجرد قصص “سحر”، بل تعبير عن عقيدة المصري القديم في النظام الكوني والعدالة.
يظهر فيها الإله رع كرمز للنور والحكمة.
ويظهر الساحر جدي رمزًا للمعرفة القديمة، التي تفوق حتى علم الملك.
أما ولادة الأسرة الخامسة، فتمثل فكرة التجديد الإلهي للسلطة، أي أن الحكم ينتقل وفق مشيئة الآلهة وليس فقط الوراثة البشرية.
تُعد بردية وستكار أقدم نص قصصي خيالي مكتمل في التاريخ، قبل الإلياذة والأوديسة بقرون.
استخدم الكاتب المصري أسلوب الحوار والسرد والإيقاع، مما يكشف عن وعي أدبي متطور.
هي أول عمل أدبي يصور الملك مستمعًا لا متكلمًا، مما يدل على احترام الكلمة والخيال في الثقافة المصرية القديمة.
️ يرى الباحثون أن بردية وستكار وضعت الأساس لفكرة القصة القصيرة والأسطورة الرمزية.
إنها “ألف ليلة وليلة” الفرعونية، حيث يجتمع السحر، الحكمة، والمغزى الأخلاقي في بناء قصصي متقن.
كما ألهمت الأدباء المعاصرين، مثل نجيب محفوظ، في تصوير تداخل الأسطورة بالحقيقة في الشخصية المصرية.
بردية وستكار ليست مجرد أثر من الماضي، بل هي صوت الإنسانية الأول في الحكي.
من بين رمال الجيزة وسكون المعابد خرجت كلماتها لتقول:
“إن الخيال قوة، والسرد حياة، والمعرفة لا تنطفئ ما دام هناك من يُنصت”.
