كتبت/نجده محمد رضا
في قلب محافظة “مييّه” اليابانية، يتربّع ضريح إِيْسَه (Ise Jingu) كأقدس موقع في الديانة الشنتوية، ورمزٍ خالدٍ يجسّد ارتباط اليابانيين بجذورهم الروحية وبالطبيعة التي يقدّسونها. إنه ليس مجرّد معبد خشبي عتيق، بل عالمٌ من الطقوس والسكينة والجلال، يلتقي فيه الإيمان بالتاريخ، والقداسة بالفنّ المعماري البسيط البديع.
النشأة والتاريخ
تروي الأساطير اليابانية أن ضريح إيسه تأسّس قبل نحو ألفي عام على يد الأميرة “ياماتوهيمي”، التي سمعت نداء الإلهة “أماتيراسو” – إلهة الشمس في المعتقد الشنتوي – لتقيم لها مقامًا دائمًا في هذه الأرض المقدّسة. ومنذ ذلك الحين، أصبح الضريح قبلةً للعبادة ومركزًا للطاقة الروحية التي تربط اليابانيين بإلهة النور والحياة.
مكوّنات الضريح
يتكوّن مجمع إيسه من مئات المعابد الصغيرة، يتقدّمها معبدان رئيسيان:
الضريح الداخلي (نايـكو): وهو الأقدس، مكرّس لعبادة الإلهة أماتيراسو.
الضريح الخارجي (غيـكو): مخصّص لإلهة الزراعة والطعام “تُويُوكيه هيميه”.
يفصل بين الضريحين غاباتٌ كثيفة ومسارات حجرية تعانقها الأشجار القديمة، ما يضفي على المكان سحرًا روحانيًا يثير في النفس الخشوع والسكينة.
الطقوس وتجديد الضريح
من أعجب ما يميّز ضريح إيسه هو طقس التجديد الدوري الكامل المعروف باسم “شيكِنِن سينغو”، حيث يُعاد بناء المعبد بأكمله كل عشرين عامًا في مكان جديد مجاور، باستخدام نفس الخشب والتصميم القديم.
يُعتبر هذا الطقس رمزًا لفكرة “الخلود في التجدد”، أي أن الحياة لا تنتهي، بل تتجدّد في دورة لا تنقطع، وهو مبدأ أصيل في الفلسفة الشنتوية.
فن العمارة وروعة البساطة
يبهر ضريح إيسه الزائرين بفنّه المعماري الفريد الذي يجمع بين البساطة والكمال.
تُشيَّد المباني من خشب السرو الياباني الفاخر دون استخدام مسامير، في أسلوب يُعرف بـ”شينميه زوكوري”، حيث تُستخدم طرق تشبيك خشبية دقيقة تمثل قمة الإتقان الحرفي.
السقوف مائلة مغطاة بالقش، والأبواب محاطة بجسور خشبية تعكس احترام الإنسان للطبيعة وقدسيتها.
الأهمية الدينية والثقافية
ضريح إيسه ليس مكان عبادة فحسب، بل يُعدّ مركزًا روحانيًا للأمة اليابانية كلها. فهو مقر الإلهة “أماتيراسو” التي تُعتبر الجَدّة الأسطورية للعائلة الإمبراطورية اليابانية، ما يجعل للضريح مكانة وطنية مقدّسة.
يزوره الإمبراطور نفسه في بعض المناسبات الكبرى، وتُقام فيه طقوس سنوية تهدف إلى طلب النور والحماية والخصب والازدهار للشعب الياباني.
السياحة والاقتصاد
يجذب ضريح إيسه ملايين الزوّار سنويًا من داخل اليابان وخارجها، لما يمثّله من معلم ديني وسياحي فريد. كما تُنعش طقوس إعادة البناء صناعة الحرف الخشبية التقليدية وتوفّر فرص عمل للمئات من النجارين والمهندسين والفنانين.
وقد أصبحت المنطقة المحيطة بالضريح مركزًا للثقافة اليابانية القديمة، حيث تنتشر المتاجر التقليدية والمطاعم التي تقدّم المأكولات المحلية.
قواعد الزيارة وآداب الدخول
يحظى الضريح بقدسية خاصة، لذا يُمنع دخول المناطق الداخلية المقدّسة أو تصويرها.
على الزائر أن يقوم بطقوس التطهير عند المدخل عبر غسل اليدين والفم في بركة مائية مخصّصة لذلك، ثم التقدّم بخطوات هادئة للصلاة أو التأمل.
ويُستحب ارتداء ملابس محتشمة، والابتعاد عن الضجيج احترامًا لروح المكان.
إن ضريح إيسه ليس مجرد مبنى خشبي عريق، بل هو رمزٌ حيّ لفلسفة اليابان الروحية، حيث تتجدّد الحياة كما يتجدّد المعبد، وتظلّ النورانية التي تبثها “أماتيراسو” تشعّ في وجدان اليابانيين جيلاً بعد جيل.
إنه درس خالد في أن القداسة ليست في الحجر، بل في
الفكرة التي تحيا في القلوب وتنتقل عبر الزمان.
