دارين محمود
لطالما كان الوقت لغزًا وفلسفة، وشغل الإنسان منذ القدم بتساؤلاته: هل نحن خاضعون لسلطة الزمن، أم أننا نملك القدرة على تشكيله واستثماره؟ الإجابة تكمن في علاقة معقدة تجمع بين الثابت والمُتغير، حيث يُفرض الزمن كواقع، ويبقى قرار استغلاله في أيدينا.
الوقت: السلطة القاهرة (الثابت)
في جوهره، الوقت هو المورد الوحيد الذي يمتلكه البشر جميعًا بالتساوي: 24 ساعة في اليوم لا تزيد ولا تنقص لأي فرد، بغض النظر عن المكانة أو الثروة. وهنا تكمن سلطته القاهرة:
* سرعة الانقضاء وعدم التعويض: يمضي الوقت بسرعة لا يمكن إيقافها، واللحظة التي تمر لا يمكن استعادتها أو تخزينها. هذه الخاصية تجعلنا دائمًا في سباق ضد عقارب الساعة.
* الإطار الزمني للحياة: الوقت هو الوعاء الذي يحوي أعمارنا. كل إنسان له “كمية” محدودة من الأنفاس والأيام. وفي هذا الإطار، الوقت هو الحكم الذي يقودنا نحو النهاية الحتمية.
* الوجود المجرد: الوقت غير مادي ولا تدركه الحواس، لكنه يؤثر في كل تفاصيل حياتنا، من مواعيد العمل إلى دورات الطبيعة.
> يقول الشاعر: “وما المرء إلا راكب ظهر عمره… على سفر يفنيه باليوم والشهر”.
>
نحن: فن إدارة المورد (المُتغير)
على الرغم من سلطة الوقت، فإن الإنسان يمتلك الأداة الأقوى في مواجهة هذه السلطة: إدارة الوقت. هنا نتحول من مُتلقين للزمن إلى مُشكلين له.
* الاختلاف في الاستغلال: الفارق الحقيقي بين الناس ليس في مقدار الوقت الممنوح لهم، بل في كيفية استغلالهم لهذه الساعات الأربع والعشرين. العظماء والمبدعون هم من أدركوا قيمة الدقيقة واستثمروها بفعالية.
* التخطيط والتنظيم: إدارة الوقت هي عملية قائمة على التخطيط، والتنظيم، وتحديد الأولويات. عندما نضع أهدافًا واضحة ونرتب مهامنا حسب الأهمية، فإننا نُجبر الوقت على خدمة أهدافنا بدلاً من أن يمر عبثًا.
* القيمة الأخلاقية والفردية: الالتزام بالوقت واحترامه هو مؤشر على التزام الفرد تجاه نفسه والآخرين، وهو أساس للنجاح والإنتاجية سواء على المستوى الشخصي أو المجتمعي. إن إضاعة الوقت ما هي إلا قتل بطيء للذات.
((يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة”)).
الخلاصة: التوازن بين الخضوع والسيطرة
إن الإجابة ليست “إما” أو “أو”، بل هي “كلاهما”.
الوقت هو المتحكم فيما يتعلق بطبيعته الثابتة، وسرعة انقضائه، وعدم تعويضه. هذه هي الحدود التي لا يمكننا تجاوزها.
نحن المتحكمون فيما يتعلق بكيفية التصرف ضمن هذه الحدود. نحن نختار إما أن نجعل الوقت وعاءً للإنجاز والنجاح، أو أن نجعله سببًا للهدر والندم.
في النهاية، الوقت يُعطى للجميع بالتساوي، لكن قيمته تُكتسب وتُخلق بقرار شخصي. إن أمة تحترم وقتها وتُحسن إدارته هي أمة قادرة على التقدم الحضاري، بينما الأمة التي “تقتل الوقت” هي التي تقتل فرصها في النماء.
