بقلم السيد عيد
كان “عم سعيد” يقف كل صباح عند ناصية محطة القطار، يحمل كيسًا صغيرًا من علب المناديل، وابتسامة كبيرة لا يعرف أحد كيف يحافظ عليها رغم انكسارات الأيام. لم يتعلم القراءة، لكنه كان يعرف وجوه الركّاب واحدًا واحدًا، ويعرف من خطواتهم إن كانوا حزانى أم مستعجلين، محتاجين منديلًا… أم كلمة طيبة.
على بعد خطوات منه، كان “عم مراد” بائع الجرائد يفرد صحفه على طاولة خشبية قديمة. كانت أوراق الجرائد تتطاير مع الريح، لكن عم مراد وحده يعرف كيف يعيدها لمكانها بلطف كأنه يرتّب حياة من يحتاج إلى قراءة خبر يطمئنه.
كان المشهد دائمًا هكذا: عم سعيد يمدّ يده بابتسامة، وعم مراد يمدّ جريدته بصوت جهير:
– “اقروا آخر الأخبار… الدنيا بتتغيّر كل يوم!”
وفي كل مرة يمرّ صحفي شاب من الجريدة القريبة، كان يرى المشهد نفسه… المشهد الذي لم يتغير رغم تغير الوجوه.
وفي صباح بارد، لاحظ الصحفي أن عم سعيد لم يأتِ. الناصية بلا ابتسامة، الركاب يتلفتون، والغياب أثقل من حضور الأيام السابقة.
سأل عم مراد بقلق:
– “عم سعيد فين؟ دا عمره ما غاب.”
تنهد عم مراد وقال:
– “تعب… دخل المستشفى. ومافيش حد يصرف عليه.”
هزّ الصحفي رأسه. أحسّ أن الحكاية ليست مجرد غياب بائع مناديل… بل غياب إنسان أصبح جزءًا من روح المكان. عاد إلى مكتبه، وكتب تقريرًا بعنوان:
“ابتسامة متّعبة في محطة القطار… عم سعيد الذي لا يراه أحد.”
كتب عن حياته، وعن صبره، وعن الناس الذين يمرّون بجواره دون أن يعرفوا أن المنديل الذي يشتريه أحدهم ربما يُسند يومًا كاملاً من كرامة رجل.
نُشر المقال في الصفحة الأولى. وفي اليوم التالي… تغيّر كل شيء.
توافد الناس إلى الناصية يسألون عنه. جمع أهل المنطقة تبرعات. أرسل المستشفى تقريرًا بأن مصاريف علاجه سُدّدت بالكامل. وجاءت جمعية خيرية تعرض توفير كشك صغير له ليبيع منه المناديل دون الوقوف في البرد.
وحين عاد عم سعيد بعد أسبوعين، وجد الناصية مزدحمة بالناس تستقبله. كان عم مراد أول من احتضنه وقال له ضاحكًا:
– “أهو يا أخي… بقيت أشهر من الجورنال!”
ضحك عم سعيد وهو يمسح دموعه بمنديل من جيبه، وقال للصحفي:
– “أول مرة أحس إن الدنيا شايفاني… مش ماشية من جنبي.”
أما الصحفي، فابتسم في هدوء. لم يكن يريد شهرة… كان يريد التأكيد على شيء واحد:
أن الصحافة الحقيقية مش بس اللي تحكي الخبر… هي اللي تغيّر مصير صاحبه.
ومن ذلك اليوم… صار عم سعيد يقف على ناصيته، لكن ليس وحده. الناس تعرفه، تشتري منه، وتؤكد أن مقالًا واحدًا… أعاد لصوتٍ بسيط مكانه في الحياة.
