بقلم د.نادي شلقامي
تُعد قرية شبرا بلولة التابعة لمركز قطور بمحافظة الغربية، اسمًا لامعًا وغير معروف للكثيرين في مصر، لكنه اسم محوري في صناعة العطور العالمية الفاخرة. ففي هذه البقعة الزراعية الهادئة، تُزهر واحدة من أهم المحاصيل العطرية في العالم: الياسمين. تُلقب شبرا بلولة بـ “عاصمة الياسمين العالمية” أو “قرية العطور”، فهي تنتج وتصدر الجزء الأكبر من احتياجات العالم من عجينة وزيت الياسمين، التي تدخل في تركيب أرقى وأشهر العطور الفرنسية والعالمية، لتجعل من هذه القرية المصرية الصغيرة شريكًا أساسيًا في ترف صناعة الروائح الفاخرة.
أولا…. تفاصيل دقيقة عن صناعة الياسمين في شبرا بلولة
1- الأهمية الاقتصادية والريادة العالمية
أ- الإنتاج العالمي: تستحوذ مصر بالكامل، وشبرا بلولة والقرى المجاورة لها على وجه الخصوص، على ما يقدر بـ 50% إلى 60% من إجمالي الإنتاج العالمي لـ عجينة الياسمين (Jasmine Concrete) وزيت الياسمين (Jasmine Absolute).
ب- عملة صعبة: تُعد زراعة الياسمين مصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة للدولة المصرية، حيث تُصدر المحصول بالكامل تقريبًا إلى كبرى شركات استخلاص الزيوت العطرية في أوروبا، وعلى رأسها فرنسا، موطن صناعة العطور.
ج- الحجم: يُقدر عدد الأسر التي تعمل بشكل مباشر وغير مباشر في هذه الصناعة بالآلاف، ما يجعلها محركًا اقتصاديًا حيويًا للمنطقة.
2- دورة زراعة وحصاد الياسمين
الياسمين محصول دائم الخضرة يزرع لعدة سنوات، وتتطلب زراعته رعاية خاصة وظروفًا مناخية معتدلة تتوفر في منطقة الدلتا.
أ- موسم الحصاد: يبدأ موسم قطف الياسمين من شهر يونيو ويستمر حتى أواخر نوفمبر أو أوائل ديسمبر، أي ما يقارب ستة أشهر متواصلة من العمل اليومي.
ب- توقيت القطف: يجب قطف زهرة الياسمين عند الفجر وقبل شروق الشمس مباشرة، حيث تكون الزهرة مغلقة للحفاظ على أعلى تركيز من الزيوت الطيارة بداخلها. هذا التوقيت هو سر جودة الياسمين المصري.
ج-القطف اليدوي: تتم عملية القطف بالكامل بشكل يدوي وبحذر شديد، حيث تحتاج كل زهرة إلى لمسة خفيفة لتجنب تلفها. يبلغ متوسط ما يقطفه العامل الماهر حوالي 3 كيلوجرامات من الأزهار في فترة الصباح الباكر.
د- الأجر: يعتمد أجر العامل على كمية الأزهار المقطوفة، ويُطلق على من يقطف الأزهار اسم “البشاشة” في بعض المناطق.
3- مرحلة الاستخلاص (الإنتاج الفعلي)
بمجرد جمع الأزهار، يتم نقلها سريعًا إلى مصانع الاستخلاص القريبة التي تستخدم تقنية تعرف باسم الاستخلاص بالمذيبات (Solvent Extraction):
أ- الاستقبال: توزن الأزهار وتُنقل إلى خزانات الاستخلاص الكبيرة (الخلاصات).
ب- الاستخلاص: تُغمر الأزهار في مذيب عضوي مثل الهكسان (Hexane)، حيث يذيب هذا المذيب الشموع والزيوت العطرية الموجودة في الزهرة.
ج- عجينة الياسمين (Concrete): بعد تبخير المذيب، يتبقى مادة شمعية صلبة تُعرف باسم عجينة الياسمين. هذه هي المادة الخام الرئيسية التي يتم تصديرها.
د- زيت الياسمين المطلق (Absolute): يتم معالجة العجينة بمذيب آخر (مثل الكحول الإيثيلي) لفصل الشموع غير العطرية عن الزيوت النقية، وينتج عنها زيت الياسمين المطلق (الخالص) وهو أغلى وأكثر تركيزًا، ويُستخدم مباشرة في خلطات العطور الراقية.
ثانيا… تحديات ومستقبل العطر المصري
على الرغم من ريادتها العالمية، تواجه قرية شبرا بلولة تحديات رئيسية لضمان استمرار هذا التراث العطري:
1-المنافسة والتكلفة: تزايد المنافسة من دول أخرى مثل الهند والصين، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الأيدي العاملة ومدخلات الإنتاج.
2- التغير المناخي: تأثر بعض الفصول بتقلبات الطقس، مما يؤثر على جودة وكمية المحصول.
3- الحاجة للتصنيع: تظل الحاجة ماسة لزيادة القيمة المضافة من خلال توسيع المصانع المحلية وربما البدء في صناعة العطور النهائية داخل مصر بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام.
في الختام….تبقى قرية شبرا بلولة حكاية عطرية بامتياز، تمثل خير مثال على قدرة الأرض المصرية وبراعة أبنائها على الريادة العالمية في مجال دقيق وحيوي. إن لقب “عاصمة الياسمين العالمية” ليس مجرد تسمية، بل هو اعتراف دولي بدور هذه البقعة الصغيرة في الحفاظ على المكون الأساسي لأرقى العطور.
لقد نجحت القرية في تحويل زهرة هشة تُقطف عند الفجر إلى عملة صعبة تدعم الاقتصاد القومي وتؤمن معيشة الآلاف من الأسر. ومع ذلك، فإن ضمان استدامة هذا الإرث يتطلب تضافر الجهود لمواجهة تحديات المنافسة والتغير المناخي.
إن الخطوة نحو زيادة القيمة المضافة، من خلال التوسع في التصنيع المحلي لإنتاج العطور النهائية، لن تزيد فقط من العائد الاقتصادي، بل ستضع مصر على الخريطة كمنتج نهائي للعطور، وليس مجرد مُصدر للمواد الخام.
شبرا بلولة هي قصة فخر تؤكد أن أغلى عطر في باريس أو نيويورك لا يزال يحمل في طياته همسة نيلية خالصة، وأن العطر الأصيل له جذور عميقة في قلب الدلتا المصرية.
