دارين محمود
اعتادت ميس على روتين عملها اليومي طوال أكثر من خمسة عشر عامًا، تبدأ يومها بارتشاف قهوتها الصباحية المُحوجة المعتادة، ثم تستقبل العملاء، لقد تحوّل هذا الروتين الطويل إلى حاجز سميك؛ لم تعد تنظر إلى وجوه المراجعين، بل اكتفت بالنظر إلى الأوراق والجداول. كانت كلماتها آلية ومباشرة: “هذا ناقص”، “هذا يُختم هناك”، “هذا يحتاج لتعديـل”.
وفي زحمة المراجعين، تقدم أحدهم، لا يحمل في يده سوى ورقة واحدة مطوية. ناولها لميس، فنظرت إلى الورقة بعينٍ باردة قبل أن تقع عيناها على ما كُتب بخط يدٍ مألوف: “ألا تتذكريني يا ميس؟”
نظرت ميس إلى صاحب الورقة بحدّة أولاً، ثم تملّكها التعجب والصدمة. كانت المفاجأة التي أوقفت الزمن: إنه آسر!
وقفت من مقعدها فجأة، تماماً كما توقف قلبها من شدة الفرحة، تحاول جاهدة أن تتماسك أمام تدفق الذكريات
ما زالت ميس تنظر إلى آسر، تحاول أن تستوعب كيف يمكن للزمن أن يعيد شخصًا بهذه الأهمية إلى مكتبها البارد القديم بعد كل هذه السنوات. كان هو نفسه، بابتسامته الهادئة التي كانت كفيلة بإذابة أي حزن، وعيناه اللتان كانتا تحملان وعدًا بمستقبل مشرق بينهما.
لم تستطع النطق بكلمة، ولكن عيناها تحدثتا بألف لغة. تعجّب من أين أتى وكيف وجدها. آسر، الذي كان يومًا ما زميل دراسة وشريك أحلام، والذي سافر فجأة دون كلمة وترك وراءها فراغًا لم يملأه أحد.
ابتسم آسر ابتسامة واسعة، وخطا خطوتين باتجاهها، واضعًا يديه على حافة مكتبها الخشبي القديم.
“لم أكن متأكدًا إن كنتِ تنتظرني فعلاً أم لا … العمل انساكِ آسر ، أليس كذلك؟” قال بصوته الرخيم الذي ما زالت تتذكره.
استعادت ميس توازنها بصعوبة، وحاولت أن تبدو مهنية كما كانت قبل ثوانٍ.
“آسر… يا للهول. كيف… متى عدت؟” سألتها بصوت خفيض يكاد يكون همسًا، خوفًا من أن يسمعها أحد العملاء المنتظرين في الخارج.
“عدت منذ أيام قليلة. الحقيقة… كنت أبحث عنكِ. لم أستطع العودة قبل أن أجدك. بحثت في كل مكان حتى وجدت هذا العنوان. بصمات تمر لا تُنسى يا ميس، وأنتِ… كنتِ بصمة لا تُمحى.”
لم تكن الكلمات مجرد مجاملة، بل كانت اعترافًا بمرور الزمن دون أن يغير شيئًا من مشاعره. أدركت ميس أن الروتين الذي اعتادت عليه، والنظرة الباردة التي كانت تنظر بها إلى البشر والأوراق، كل ذلك كان مجرد قشرة لحماية قلبها من أي خيبة أمل جديدة.
“أنا… أنا مندهشة حقًا. تفضل، اجلس.” أشارت إلى المقعد أمام مكتبها، وهي تسحب مقعدها لتجلس هي الأخرى، لكن هذه المرة، نظرت إليه بعينين تلمعان بالفضول والحنين، وليس بعين موظفة باردة.
جلسا لدقائق طويلة يتحدثان، يتجاذبان أطراف الحديث عن السنوات التي مضت، سنوات الغياب. اكتشفت ميس أن آسر لم ينسَ أي تفصيل صغير عنها، وأن سفره لم يكن سوى محاولة لتحقيق هدف ما كان يراه مستحيلاً في وطنه.
قبل أن ينصرف، مدّ آسر يده بورقة صغيرة، هذه المرة ليست ورقة عمل، بل ورقة تحمل رقم هاتفه
“لا أريد أن تكون هذه زيارة رسمية أخرى، ميس. لا أريد أن أكون عميلاً ينتظر دورًا. هل تسمحين لي أن أرتشف معكِ قهوة الصباح المرة القادمة، بعيدًا عن هذا المكتب ونضع خارطة طريق لا نفترق بها أبدا؟”
نظرت ميس إلى الورقة الصغيرة، ثم رفعت عينيها لتقابل عينيه. ابتسمت ابتسامة صادقة لم ترتسم على وجهها منذ سنوات طويلة. كانت تلك الابتسامة هي البصمة التي تركتها هي في قلب آسر، والبصمة التي أعادها إليها اليوم.
“أكثر من سعيدة، آسر.” أجابت، وعادت الحياة إلى وجهها، وانهار جدار الروتين والبرود الذي بنته حول نفسها في لحظة واحدة. كانت تلك اللحظة نقطة تحول، لحظة أدركت فيها أن بعض البصمات، حتى لو مرت عليها السنوات، تظل خالدة ولا يمكن نسيانها، وبإمكانها العودة لتلوّن الحياة مرة أخرى.
