كتب م/ رمضان بهيج
مغلق للصلاة”: عبارة غابت وحضور تلاشى
عبارة بسيطة، لكنها كانت تحمل معنىً عميقاً في وجدان مجتمعنا. “مغلق للصلاة”، هذه الكلمات التي كانت تُزين واجهات المحلات التجارية وقت الأذان، لم تكن مجرد إشعار بانتظار العميل، بل كانت إعلانًا عن أولوية أخرى تسبق الربح والعمل. كانت تعكس حالة من التناغم بين الروح والمادة، وبين الفرد ومجتمعه.
اليوم، غابت هذه العبارة عن الأبواب، وحل محلها مشهد آخر: سجادة صلاة تُفرش أمام المحل، أو مجموعة من التجار يؤدون صلاتهم على عجل في مكان ضيق، أو حتى التنازل عن الصلاة في وقتها المخصص. هذا التغيير ليس مجرد تحول في العادات، بل هو مؤشر على تحولات أعمق في نظرة المجتمع للدين والعبادة.
فلماذا حدث هذا التحول؟ وما الذي جعل صلاة الجماعة في المسجد تفقد بريقها وتصبح خيارًا ثانويًا للكثيرين؟ الإجابة ليست بسيطة، بل هي خليط من عدة عوامل:
ضغوط الحياة العصرية: إيقاع الحياة السريع، والمنافسة الشديدة في التجارة، جعلت الوقت سلعة ثمينة لا يُراد تضييعها. يرى البعض أن إغلاق المحل والذهاب للمسجد يستغرق وقتًا طويلاً قد يُفقد فيه فرصة بيع.
عوامل تتعلق بالمسجد: قد يكون هناك بعض الأسباب التي دفعت الناس للابتعاد عن المسجد. ربما إطالة الإمام لوقت الصلاة، أو إطالة الخطبة، أو شعور البعض بوجود حاجز نفسي يمنعهم من الاندماج في محيط المسجد.
الشعور بالمسؤولية الفردية: أصبح هناك ميل متزايد نحو العبادة الفردية بعيداً عن الجماعة. يرى البعض أن الصلاة يمكن أن تُؤدى في أي مكان طالما أن النية خالصة، متجاهلين بذلك فضل صلاة الجماعة وقيمة اجتماع المسلمين.
غياب القدوة: في الماضي، كان التجار الكبار والقدوات المجتمعية يذهبون إلى المساجد بانتظام، مما كان يشجع الأجيال الأصغر سناً على اتباعهم. اليوم، قد تكون هذه القدوة أقل وضوحًا.
عودة عبارة “مغلق للصلاة” ليست مجرد أمل في رؤية لافتة قديمة، بل هي دعوة لإعادة إحياء قيمة المسجد في حياتنا. المسجد ليس مجرد مكان لأداء الصلاة، بل هو مركز اجتماعي وروحاني يجمع الناس، ويعزز الروابط، ويُعيد التوازن إلى نفوسنا. إنه المكان الذي نترك فيه ضغوط الحياة خلفنا، ونقف فيه متساوين أمام خالقنا، ونشعر فيه بالانتماء إلى أمة واحدة.
لإعادة إحياء هذه الروح، نحتاج إلى تعاون من الجميع: الأئمة عليهم مراعاة أحوال الناس والحرص على الاعتدال في إطالة الصلاة، والمصلون عليهم أن يتذكروا فضل صلاة الجماعة، والمجتمع بأسره عليه أن يعيد تقدير قيمة هذا المظهر الحضاري الذي يعكس هويتنا الحقيقية.
“مغلق للصلاة” لم تكن مجرد لافتة، بل كانت رسالة تذكّرنا بأن هناك ما هو أهم من التجارة والمال، وأن السكينة الحقيقية تكمن في الاتصال بالله، وأن اجتماعنا في المساجد قوة لا تُقدّر بثمن.
