بقلم /دارين محمود
كنت في يوم استنشق الهواء البارد من شرفتي وأنظر إلى غيوم السماء وأرى حبات المطر ذو رائحة الطين المبلل الرطب… أغمض عيني… وأستنشق الهواء وأسرح في ملكوتي…
فأجد أن تلك الرائحة التي طالما كانت بلسمًا لروحي، لم تعد اليوم كذلك تمامًا. ما بين كل قطرة مطر تلامس زجاج شرفتي، أجد حبة وجع قديمة، غُسلت بالماء البارد فتجددت حِدتها.
تلاشي الحدود
تلك الغيوم الكثيفة التي أراها الآن لم تعد مجرد بخار ماء معلّق، بل هي ستائر من الذكريات الرمادية، كلما أمطرت، هطلت معها مشاهد وصور لأشخاص غادروا، أو لأحلام لم تكتمل. أشعر أن الوجع يتجسّد في برودة الهواء، وفي رطوبة الأرض.
في لحظة إغماض العين تلك، يتلاشى الحد الفاصل بين ما هو حقيقي وما هو شعوري… فما عدت أعرف أيهما أبرد: يداي المرتجفتان، أم قلبي الذي يضمّ بين ضلوعه خيبات الأمس؟
همس المطر
المطر لم يعد مجرد صوت هادئ، بل أصبح همسات تُعاتبني على سكوتي الطويل، وعلى تفاصيلي التي أهملتُها خلف جدائل النسيان. وأنا، أقف صامتًا، أستقبل هذا “الهمس الرطب”، وأتركه يغسلني من الخارج، علّه يطهر شيئًا من الداخل.
أفتح عيني ببطء، لأرى أن الحياة ما زالت مستمرة، حتى وهي تحمل بين طياتها كل هذا الشجن… فما قيمة رائحة الطين لولا أن تحمل معها شيئًا من مرارة الانتظار؟
فأبتسم… ابتسامة شاحبة… وأدرك أن الوجع… هو أيضًا… رائحة للحياة.
