بقلم د.نادي شلقامي
في خضمّ السرعة الهائلة التي تجتاح حياتنا اليومية، من الرسائل النصية السريعة إلى الاجتماعات المُكثّفة، أصبح “خطْف الكبّة من الرأس” – أي التسرّع في الرد، والاستنتاج قبل اكتمال الفكرة، أو مقاطعة المتحدث – ظاهرةً شائعة تهدد جودة تواصلنا وعلاقاتنا الإنسانية والتجارية. إنها الرغبة في إنهاء الحوار بأسرع ما يمكن، أو الإدلاء بالرأي قبل الاستماع الكامل للطرف الآخر. هذا المثل الشعبي البليغ، الذي يعني حرفيًا “لا تحاول أخذ الطبق (الكُبّة) مباشرة من فوق الرأس قبل أن يضعه صاحبه”، هو في جوهره دعوة إلى التمهل، والإنصات، والاستفهام كركائز أساسية لتعامل إنساني سليم وفعّال.
أولا…. نشأة المثل وأسباب الظاهرة
نشأة المثل الشعبي: التمهل واجب الضيافة
ينبع مثل “بلاش تخطف الكبة من الرأس” من عمق الثقافة الشعبية العربية التي تُعلي من قيمة الضيافة والاحترام. الكُبّة (أو أي طبق طعام) الذي يُقدّم للضيف أو الجليس يحمل رمزية التقدير. خطفه أو مد اليد إليه بعجلة قبل أن يستقر على المائدة أو يُقدمه المُضيف بالتمام، هو سلوك يُعدّ قلة ذوق أو استعجالاً غير لائق. لقد انتقل هذا المفهوم من آداب المائدة إلى آداب الحديث، ليصبح رمزًا لضرورة إعطاء المتحدث حقه كاملاً في طرح فكرته، والتروي في تقبّل المعلومات قبل الحكم عليها أو الرد عليها.
ثانيا….الأسباب وراء الاستعجال في التعامل:
( عصر “الإشباع الفوري”)
تتعدد الأسباب التي دفعت بظاهرة “خطف الكبة” إلى الواجهة في عصرنا الحالي:
1- ثقافة الإشباع الفوري (Instant Gratification): التكنولوجيا الحديثة، من الإنترنت عالي السرعة إلى تطبيقات المراسلة، علّمت العقل البشري توقع الردود والنتائج بشكل فوري. أصبح الصبر على المعلومة أو الرد يُعتبر مضيعة للوقت.
2- ضغوط الحياة الحديثة: الشعور الدائم بضيق الوقت والالتزامات المُتراكمة يدفع الفرد إلى “اختصار” الحوارات والقفز إلى الاستنتاجات لتوفير الجهد الذهني والزمني.
3- المركزية الذاتية (Ego-Centrism): الرغبة في إظهار الذات، أو إثبات المعرفة، أو سيطرة الفرد على مسار الحوار، تجعله يقاطع المتحدث اعتقادًا بأن ما سيقوله أهم مما يُقال له.
4- سوء مهارات الإصغاء: الكثيرون يمارسون “الاستماع الانتقائي”، حيث يكون الفرد مهتمًا بالصياغة الداخلية لردّه بدلاً من التركيز على ما يقوله الطرف الآخر بالفعل.
ثالثا…. أعراض “داء الاستعجال” في الحوار والتواصل
يمكن ملاحظة أعراض “خطف الكبة” بشكل واضح في حياتنا اليومية:
1- المقاطعة المُتكررة:
التدخل في حديث الآخرين قبل أن ينهوا جملتهم، وهي دليل واضح على أن المستمع كان يُعدّ ردّه بدلاً من الإنصات.
2- الرد على سؤال لم يُطرح بعد:
افتراض نهاية الجملة أو السؤال والبدء في الإجابة على ما يتوقعه المستعجل، وهو ما يؤدي غالبًا إلى إجابات غير دقيقة أو خارج السياق.
3- القفز إلى الاستنتاجات والحكم المُسبق:
إصدار الأحكام السريعة على نوايا الأشخاص أو مواقفهم بمجرد سماع جزء بسيط من القصة.
4-التعبير الجسدي للعجلة:
التململ، النظر إلى الساعة أو الهاتف، أو تنهدات الضجر، وهي إشارات توصل رسالة للطرف الآخر بأن وقته وكلماته غير مهمة.
(( مقولة بليغة: يُقال: “نصف الاستماع فهم، والربع إدراك، والباقي حُسن نية.”)) الاستعجال يُضيّع كل ذلك.
رابعا… آثار التمهل والإصغاء على الفرد والمجتمع
إن التحلي بالتمهل وتطبيق فلسفة “لا تخطف الكبة” له آثار إيجابية عميقة تمتد من الفرد إلى المجتمع كله، وصولًا إلى أدق المعاملات.
1. على المستوى الفردي:
(السلام الداخلي ودقة القرار)
1-1- تعزيز الذكاء العاطفي: التمهل يمنح الفرد فرصة لمعالجة المعلومات بهدوء، مما يقلل من الردود العاطفية المتسرعة والندم اللاحق.
1-2- تحسين جودة القرار: الإصغاء الكامل يضمن استقبال جميع جوانب المشكلة أو العرض، مما يؤدي إلى اتخاذ قرارات أكثر دقة وعقلانية.
1-3- بناء الثقة بالنفس: الشخص الذي يستمع بإنصات ويفهم بعمق يكون ردّه أكثر رزانة وإقناعًا، مما يعزز صورته الذاتية والمهنية.
2. على مستوى العلاقات والمجتمع: التعاطف وتقليل النزاع
2-1- تأسيس الاحترام المتبادل: عندما يشعر الشخص بأنك تُعطيه وقتك واهتمامك الكامل، فإن هذا يرفع من مستوى الاحترام والتقدير في العلاقة.
2-2- التعاطف الحقيقي: التمهل يسمح لنا بالخروج من إطار “ذاتي” إلى إطار “الآخر”، وفهم الموقف من وجهة نظره، مما يعمق التعاطف ويقوي الروابط الإنسانية.
2-3- تقليل سوء الفهم والنزاع: معظم النزاعات تبدأ من سوء تفسير أو نقص في المعلومات. الإنصات الكامل يزيل الغموض ويقلل من فرص التصادم.
(( حكمة خالدة: “لو كان الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب.”)) الصمت لأجل الإنصات هو كنز لا يُقدّر بثمن.
خامسا…. التمهل والإصغاء في المعاملات التجارية والمهنية
البيئة التجارية هي ساحة المعركة الأهم لظاهرة “خطف الكبة”، حيث أن التسرع قد يكلف صفقات كاملة أو يضر بسمعة الشركة.
أ. في التفاوض وعقد الصفقات:
1- فهم الاحتياجات الحقيقية للعميل:
لا يمكن للتاجر أو المفاوض أن يعرض المنتج أو الخدمة المناسبة ما لم يُنصت بتركيز تام لاحتياجات العميل ومخاوفه (نقاط الألم). العجلة هنا تعني تقديم عرض غير مناسب.
2- قراءة لغة الجسد:
التمهل يسمح للمفاوض بقراءة ما وراء الكلمات، وفهم تردد الطرف الآخر أو حماسه، مما يمنحه ميزة استراتيجية في التخطيط للخطوة التالية.
3- كسب المصداقية:
التاجر الذي يمنح العميل وقتًا للاسترسال يُبني جسور الثقة، فالعميل يشعر بأنه ليس مجرد رقم أو هدف مبيعات.
ب. في القيادة وإدارة فرق العمل:
1- دعم الابتكار:
الموظفون لن يشاركوا بأفكارهم الكاملة إذا كانوا يعلمون أن مديرهم سيقاطعهم أو يستعجلهم قبل أن يشرحوا وجهة نظرهم. القائد الصبور هو حجر الزاوية للإبداع.
2- حل المشكلات بفاعلية:
عندما يواجه الفريق مشكلة، يجب على القائد أن يكون المستمع الأول لكل الآراء ووجهات النظر المُتعلقة بالحل، دون التسرع بفرض حله الخاص.
سادساا… كيف نُطبّق “بلاش تخطف الكبة من الرأس”؟
1- الاستفهام بدلًا من الافتراض:
عند الرغبة في الرد، استبدل الرد الفوري بسؤال توضيحي مثل: “هل تقصد أن..؟”، أو “هل يمكنك شرح هذه النقطة أكثر؟”. هذا يضمن الفهم ويشتري لك وقتًا للتفكير.
2- قاعدة العشر ثوانٍ:
بعد أن ينهي المتحدث كلامه، انتظر لمدة 5-10 ثوانٍ قبل الرد. هذا يعطي المتحدث فرصة لإضافة أي فكرة أخيرة ويمنحك فرصة لترتيب الرد.
3- الإصغاء النشط (Active Listening):
أظهر للمتحدث أنك تسمع من خلال إيماء الرأس، وتلخيص ما قاله بجمل بسيطة بين الحين والآخر (“أفهم أن أهم تحدٍ هو التسويق، صحيح؟”).
الخلاصة:
إن فن التواصل الفعّال ليس سباقًا على من يتكلم أولًا أو يرد أسرع، بل هو رحلة لاستكشاف الآخر وفهم عالمه. إن تبني أسلوب “بلاش تخطف الكبة من الرأس” ليس مجرد أدب في الحوار، بل هو استراتيجية حياة تُحسّن من جودة علاقاتنا، تزيد من كفاءتنا المهنية، وتُعيد إلينا هدوء البال الذي خطفته السرعة الزائدة. في عالم يبدو فيه كل شيء يتسابق، تظل قوة الإنسان الحقيقية في قدرته على التمهل، والتأمل، والإنصات العميق.
