بقلم: البروفيسورة روحيه الشريف
بروفيسور الروماتيزم والمناعه بكليه الطب جامعه المنيا واستشاريه الأمراض الروماتيزميه والمناعيه بمستشفي سلامات بالمملكه العربية السعودية
يعد التهاب الشريان الصدغي من الحالات الطبية التي تتطلب سباقاً مع الزمن؛ فهي ليست مجرد “صداع عادي”، بل هي حالة تستهدف الشرايين الحيوية التي تغذي الرأس والعينين.
تخيل أن شبكة الأنابيب التي تمد عقلك وبصرك بالدماء تبدأ فجأة في التورم والتضيق بفعل “نيران صديقة” من جهازك المناعي. هذا اللص لا يطرق الأبواب بهدوء، بل يهاجم غالباً الأشخاص فوق سن الخمسين، مهدداً بسلب أغلى ما يملكون—ألا وهو البصر—إذا لم يتم اكتشافه والتعامل معه بحزم. إنه مرض يتخفى خلف أعراض قد تبدو بسيطة، لكن خلفها تكمن حالة طبية طارئة.
*أعراض* تجعل المريض يهرع لعيادة الروماتيزم
لماذا طبيب الروماتيزم؟ لأن هذا المرض هو في الأساس التهاب وعائي (Vasculitis)، وأطباء الروماتيزم هم الخبراء في ترويض المناعة الثائرة. اذهب فوراً إذا شعرت بـ:
– صداع جديد وغريب: ألم شديد ومستمر، عادةً في منطقة الصدغ (جانب الرأس).
– ألم الفك عند المضغ: تشعر بتعب أو ألم في فكك بمجرد البدء في تناول الطعام، ويزول عند التوقف (علامة مميزة جداً).
– حساسية فروة الرأس: مجرد تمشيط شعرك أو وضع النظارة يسبب لك ألماً غير محتمل في جلد الرأس.
– تغيرات مفاجئة في الرؤية: رؤية مزدوجة أو غباش مفاجئ (هذا العرض يتطلب طوارئ فورية).
– أعراض “روماتيزم العضلات”: تيبس وألم في الأكتاف والحوض عند الاستيقاظ (يرتبط هذا المرض بمرض آخر يسمى Polymyalgia Rheumatica).
*الأسباب* : لماذا يحدث ذلك؟
حتى الآن، لا يعرف العلم سبباً مباشراً واحداً، ولكن هناك مزيج من العوامل:
– خلل مناعي: يهاجم الجهاز المناعي عن طريق الخطأ جدران الشرايين، مما يسبب تضخماً في خلايا معينة تصبح “عملاقة” (ومن هنا جاء الاسم).
– العمر: نادراً ما يصيب من هم دون سن الخمسين.
– العوامل الجينية والبيئية: قد تلعب الوراثة وبعض
– الالتهابات الفيروسية السابقة دوراً في تحفيز هذا التفاعل المناعي.
*العلاج*
الهدف الأول هو “إطفاء الحريق” الالتهابي بسرعة:
– الكورتيزون (ستيرويدات): هو حجر الزاوية. يبدأ الطبيب بجرعات عالية فور الاشتباه بالمرض لمنع فقدان البصر.
– المثبطات المناعية الحديثة: مثل (Tocilizumab)، والتي تساعد في تقليل الاعتماد على الكورتيزون على المدى الطويل.
– المتابعة الدقيقة: يحتاج المريض لمتابعة دورية لفحص سرعة الترسيب (ESR) وبروتين (CRP) للتأكد من خمود الالتهاب.
الخبر السار هو أنه بمجرد البدء في العلاج، يشعر معظم المرضى بتحسن مذهل في غضون أيام قليلة جداً. الصداع يختفي، والنشاط يعود. رغم أن العلاج قد يستمر لفترة (من سنة إلى سنتين) لضمان عدم عودة المرض، إلا أن الالتزام بتعليمات طبيب الروماتيزم يجعل المريض يعيش حياة طبيعية تماماً وبصحة ممتازة. التشخيص المبكر هو البطل الحقيقي في هذه القصة، ومجرد وعيك بهذه الأعراض هو الخطوة الأولى والأساسية للنجاة.
