دارين محمود
أتذكر اليوم موقفاً لا يُنسى.. كنتُ على موعدٍ مع طبيب الأسنان في عيادة تبعد عن منزلي أكثر من عشرة كيلومترات. استعدتتُ جيداً، ارتديتُ معطفي وجواربي الدافئة وانطلقت. ولكن، حين لم يتبقَّ بيني وبين الوجهة إلا أميالاً قليلة، وصلتني مكالمة من الممرضة تخبرني فيها بتأجيل الموعد؛ لظروف سفرٍ مفاجئة ألمّت بالطبيب.
في تلك اللحظة، اجتاحتني موجة عارمة من الغضب. توقفتُ بسيارتي على جانب الطريق، أزفرُ ضيقي وأفكر: “ماذا أفعل الآن بعد كل هذا الطريق؟”. وبينما كنتُ غارقة في استيائي، وقعت عيناي على لافتة كافيه بألوانٍ مبهجة تجذب الأنظار، يحمل اسماً غريباً وغير مألوف: “80% طاقة حب”.
تسلل الفضول إلى داخلي ليطفئ نار غضبي، فقررتُ الاستكشاف. نزلتُ من السيارة، وخطوتُ بخطواتٍ وئيدة نحو المدخل. وبمجرد اقترابي، بدأت ملامح المكان تتكشف؛ أضواءٌ خافتة تداعب الزوايا، وصوت “كوكب الشرق” أم كلثوم ينساب بهدوء ليملأ المكان سكينةً لم أتوقعها.
فتحتُ الباب الخشبي الثقيل، فاستقبلتني رائحة القهوة الممزوجة بعبير القرفة، وكأن المكان ملاذٌ آمن بعيداً عن صخب العالم. لفتت انتباهي جدارية كُتب عليها بخط عربي أنيق: “نحن هنا نمنحك الـ 20% المتبقية لتكتمل طاقتك”.
جلستُ في ركن دافئ، واقترب مني نادل يرتدي مئزراً ملوناً يشبه لوحات الرسم، وقال بصوت خفيض: “يبدو أن يومكِ لم يسر كما خططتِ له، هل تسمحين لي أن أختار لكِ مشروب الرضا؟”. أومأتُ برأسي صامتة، لأجد نفسي أمام كوب سيراميك يدوي يفيض ببراعة الصنع ويحمل بجانبه ورقة صغيرة مطوية، كُتب فيها: “المواعيد التي تُلغى، هي فرص نمنحها لأنفسنا لنلتقي بها من جديد”.
حينها، أدركتُ أنني لم أكن بحاجة لطبيب أسنان، بل كنتُ بحاجة إلى تلك الصدفة لأتصالح مع يومي. خرجتُ وأنا أبتسم، فقد امتلأت حقيبة روحي بطاقة تكفيني لأيام
قد تتعبنا الحياة.. ويختلط الألم الجسدي والنفسي سوياً.. وتتبدل الأقدار التي كنتُ أظنها ملاذي الأخير، فأقف حائرةً أمام أبوابٍ أُغلقَت في وجهي، وأنا التي ظننتُ أن خلفها الشفاء.
لكنني اليوم تعلمتُ أن الخيبة ليست دائماً نهاية الطريق، بل قد تكون مجرد “انعطافة” إجبارية لنرى جمالاً لم نكن لنلحظه لو مضت الأمور كما خططنا لها. ففي اللحظة التي بكى فيها طموحي الصغير خلف مقود السيارة، كان هناك “حبٌ” ينتظرني خلف بابٍ لم أطرقه من قبل.
ربما لم يكن موعد الطبيب هو الشفاء، بل كان الانكسار الذي قادني لذاك الركن الهادئ، لصوت كوكب الشرق، ولرائحة القهوة التي رتبت فوضى مشاعري.
آمنتُ اليوم:
أن الله حين يصرفنا عن أمرٍ نلحّ في طلبه، فإنه لا يحرمنا، بل يمنحنا “استراحة محارب” في محطةٍ مليئة بالطاقة، لكي نعود لمواجهة أوجاعنا بقلبٍ أخفّ، وروحٍ أهدأ.
فسلاماً على الأقدار التي تُربكنا لتُسعدنا، وسلاماً على كل وجعٍ كان سبباً في أن نلتقي بأنفسنا من جديد.
