د.نادي شلقامي
لم تكن مصر عبر تاريخها مجرد بقعة جغرافية على الخريطة، بل كانت دوماً “حجر الزاوية” في استقرار المنطقة وملاذاً آمنًا لكل من ضاقت به الأرض. منذ فجر التاريخ، وهبها الله نيلاً معطاءً وشعباً مضيافاً، فصارت “كنانة الله في أرضه” التي يلجأ إليها الخائف فيأمن، والجائع فيشبع. هذا التقرير يستعرض كيف فتحت مصر ذراعيها للأنبياء، وآل البيت، والشعوب، واللاجئين، لتؤكد أنها كانت وما زالت “أم الدنيا” وباب الأمان.
أولاً….مصر قبل التاريخ وفجر الحضارة
منذ العصور الحجرية، كانت منطقة وادي النيل هي المقصد الأول للجماعات البشرية الفارة من جفاف الصحراء الكبرى:
— الاستقرار البيئي: بينما كانت المناطق المحيطة تعاني من تقلبات مناخية، وفر النيل بيئة مستقرة جعلت مصر أول “ملجأ” للبشرية لتأسيس مجتمعات زراعية منظمة.
— بوتقة الانصهار: استقبلت مصر الهجرات الأولى من عمق أفريقيا ومن آسيا، وصهرتها في نسيج واحد لتبني أول دولة مركزية في التاريخ، مما جعلها أول مأوى آمن للإنسان القديم.
ثانياً…مصر في عصر الأنبياء (أرض النبوات والاحتواء)
شرفت مصر بأن كانت الملاذ الذي اختاره الله لأنبيائه في لحظات الشدة والهروب من الجور:
— سيدنا إبراهيم (عليه السلام): جاء إليها مع زوجته سارة هرباً من القحط في فلسطين، فكرمه أهلها.. وتزوج منها السيدة هاجر (أم العرب).
— سيدنا يوسف (عليه السلام): تحولت مصر في عهده إلى “سلة غذاء العالم”، فكانت الملجأ لجميع شعوب المنطقة خلال سنوات القحط السبع، بما في ذلك إخوته وأبوه يعقوب، حيث قال يوسف لأهله: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}.
— سيدنا موسى (عليه السلام): ولد وتربى على أرضها، وفيها تجلى الله بكلماته على جبل الطور بسيناء، فكانت أرض الوحي كما كانت أرض الإيواء.
— العائلة المقدسة: كانت مصر هي “الحصن” الذي احتمى فيه السيد المسيح وأمه مريم العذراء من بطش الملك هيرودس، لترسم “رحلة العائلة المقدسة” مساراً للأمان في ربوع مصر من شمالها لجنوبها.
ثالثاً… مصر ملاذ آل البيت (نور النبوة في قلب المحروسة)
بعد كربلاء والمحن التي تعرض لها آل بيت النبي ﷺ، لم يجدوا مكاناً أكثر حناناً وتقديراً من أرض مصر. ففي عام 62 هجرية، وصلت السيدة زينب بنت علي (عقيلة بني هاشم) إلى مصر، واستقبلها أهل مصر وحاكمها في ذلك الوقت استقبالاً مهيباً بالدموع والترحاب، تقديراً لمكانتها ونور نسبها.
— دعاء السيدة زينب الشهير لأهل مصر:
عندما رأت السيدة زينب هذا الكرم والحب اللامتناهي من المصريين، رفعت يدها للسماء ودعت بدعائها الخالد الذي يتناقله المصريون جيلاً بعد جيل كأنه نبوءة وبركة:
( “يا أهل مصر، نصرتمونا نصركم الله، وآويتمونا آواكم الله، وأعنتمونا أعانكم الله، جعل الله لكم من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً.”)
–لقد صارت مصر منذ ذلك الحين “مقر المحبين”، واحتضنت أضرحة ومقامات طاهرة (مثل السيدة زينب، الإمام الحسين، السيدة نفيسة) صارت منارات للأمان الروحي والسكينة.
رابعاً… العصور الوسطى والحديثة (دار الضيافة)
استمرت مصر في دورها كمنارة للعلم وملجأ للمضطهدين:
— علماء الأندلس وفلسطين: بعد سقوط الأندلس وحروب الفرنجة، استقبلت مصر آلاف العلماء والعائلات الذين ساهموا في إثراء الحركة الثقافية.
— الأرمن والشركس: في بدايات القرن العشرين، كانت مصر الملاذ الأول للأرمن الفارين من المذابح، فصاروا جزءاً أصيلاً من نسيج المجتمع المصري.
خامساً… الواقع المعاصر (احتضان الأشقاء العرب)
في العقود الأخيرة، ومع اندلاع الأزمات في المنطقة العربية، أثبتت مصر أن مفهوم “اللاجئ” لا وجود له في قاموسها، بل هم “ضيوف وأشقاء”:
— السوريون: استقبلت مصر الملايين من الأشقاء السوريين، ولم تغلقهم في مخيمات أو معسكرات، بل انخرطوا في المجتمع، وافتتحوا مشاريعهم، وتلقوا تعليمهم وصحتهم جنباً إلى جنب مع المصريين.
— اليمنيون والليبيون والسودانيون: فتحت مصر أبوابها لكل من دمرت الحروب ديارهم، لتقدم نموذجاً إنسانياً فريداً في التعايش والدمج المجتمعي، مما جعل “القاهرة” العاصمة التي لا تنام ولا تغلق أبوابها في وجه محتاج.
وختاما…فإن التاريخ يثبت أن قدر مصر هو أن تكون “الأمان”. لم تكن يوماً بلداً منغلقاً، بل كانت وما زالت واحة تستوعب الجميع بقلب مفتوح. إن لجوء الأنبياء إليها قديماً، وإحتماء آل البيت بها، ولجوء الأشقاء العرب إليها حديثاً ليس محض صدفة، بل هو شهادة على نبل هذا الشعب وعظمة هذه الأرض التي باركها الله وجعلها “أمنًا” لمن دخلها. ستظل مصر دائماً هي الحصن، وهي الدار، وهي الملاذ والملجأ لكل من بحث عن حياة كريمة.
