بقلم : أحمد رشدى
في عصر تتسابق فيه الشاشات على جذب الانتباه، وتُختزل فيه المعرفة في مقاطع قصيرة وعناوين سريعة،
يقف الكتاب في موقع تساؤل صامت: هل ما زال له مكانه وهيبته في حياة الإنسان المعاصر؟ فالكتاب لم يكن يومًا مجرد وسيلة للقراءة، بل كان رفيق التفكير العميق، وأداة بناء الوعي، وذاكرة الحضارات التي حفظت تجارب الإنسان وأحلامه وأسئلته الكبرى.
لقد شكّل الكتاب عبر التاريخ حجر الأساس في نهضة الأمم، ومن خلاله انتقلت العلوم، وتبلورت الفلسفات، وتكوّنت المدارس الفكرية.
وكانت القراءة فعلًا مرتبطًا بالصبر والتأمل،
لا بالاستهلاك السريع. غير أن التحول الرقمي، بما يحمله من سرعة وإغراءات، غيّر علاقة الإنسان بالمعرفة، فباتت المعلومة تُستهلك على عجل، وغالبًا دون تحقق أو تعمق،
مما أثار مخاوف حقيقية بشأن تراجع الثقافة العميقة لصالح ثقافة العناوين.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن زمن الكتاب قد انتهى، بل إن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة تعريف دوره.
فالكتاب اليوم لم يعد حبيس الورق، بل صار فكرة تتنقل بين المنصات، وتبحث عن قارئ يقدّر العمق وسط الضجيج.
وما زالت القراءة الجادة قادرة على تشكيل العقل، وتحرير الفكر من السطحية، ومنح الإنسان قدرة على الفهم والتحليل لا توفرها المعرفة المختصرة.
إن الحفاظ على مكانة الكتاب لا يعني رفض التطور، بل يعني توظيف التكنولوجيا لخدمة المعرفة، لا العكس. فحين يُقدَّم الكتاب في سياق معاصر، ويُربط بالأسئلة الحقيقية للإنسان، ويُدرج ضمن مشروع ثقافي شامل يبدأ من التعليم ولا ينتهي عند النشر،
يستعيد مكانته الطبيعية كمرجع وملهم.
وفي زمن السرعة، قد يكون التمسك بالكتاب فعل مقاومة ثقافية هادئة، تؤكد أن المعرفة ليست سباقًا، بل رحلة.
وأن العمق، مهما بدا بطيئًا، يظل الطريق الأضمن لفهم الذات والعالم. وهكذا يبقى الكتاب شاهدًا على أن الفكر لا يُقاس بعدد النقرات، بل بقدرته على إحداث أثر باقٍ في العقل والوجدان.
