بقلم / دارين محمود
تستيقظُ الأم، ويستيقظُ الأب، وفي صدر كلٍ منهما غصةٌ خفيّة، وقلقٌ ينمو كما ينمو العشبُ بين تشققات الصخر. ننظرُ إلى أبنائنا، تلك الكائنات الرقيقة التي تشبهُ “الصلصال” في طراوته، ثم ننظرُ إلى الخارج، إلى شارعٍ صاخب، وأخلاقٍ باتت تتآكل كأطراف ثوبٍ قديم، وتنمّرٍ ينهشُ براءة الصغار.. فنتساءل بقلبٍ يرجف: كيف نحميهم؟
إنّ التربية اليوم لم تعد مجرد “توجيه”، بل أصبحت رحلة “مقاومة”. نحن لا نربي أبناءنا ليعيشوا في مجتمعٍ مثالي، بل نربيهم ليكونوا هم “المثال” في مجتمعٍ مضطرب. إن الحماية الحقيقية لا تكمن في بناء الأسوار العالية حولهم، فالسور قد يُهدم أو يُتسلَّق، لكن الحماية هي أن نبني في أعماقهم “بوصلة” لا تخطئ الاتجاه مهما اشتدت الرياح.
البيت.. المحراب الأول
إنّ الطفل الذي يرتوي حباً وتقديراً داخل بيته، يخرج إلى العالم بقلبٍ “مُحصّن”. التنمرُ لا يكسرُ إلا من يشعر بالنقص، فإذا وجد الطفل في حضن والديهِ القبول غير المشروط، صار كلامُ المسيئين خلف ظهره مجرد “ضجيج” لا يخدش ثقته. اجعلوا بيوتكم واحاتٍ من السكينة، ليكون الفرق بين رقيّ البيت وتدني الخارج واضحاً، فيختار الطفل بفطرته السوية ما يشبه روحه.
أدبُ الترفع.. لا أدب الضعف
علينا أن نعلّمهم أن الأخلاق ليست “ضعفاً”، بل هي أسمى مراتب القوة. أن تترفع عن الكلمة البذيئة ليس لأنك عاجزٌ عن ردها، بل لأن لسانك أطهر من أن يتسخ بها. إننا نزرع فيهم أن “التميز” ليس في مجاراة القطيع، بل في الوقوف وحيداً إذا كان الجميع على خطأ. فالنجمة لا يظهر ضياؤها إلا لأن السماء من حولها شديدة العتمة.
الشجاعةُ الهادئة
الحمايةُ أيضاً هي في تعليمهم “فن المواجهة”. أن يضع الطفل يده في عين الظلم ويقول “لا” بملء فيه، دون خوفٍ أو خجل. أن يدرك أن جسده وكرامته خطوطٌ حمراء، لا يملك أحدٌ حق تجاوزها. نحن لا نعلّمهم العدوان، لكننا نسلحهم بشراسة الحق في وجه غطرسة الباطل.
ختاماً..
إنّ أبناءنا هم رسائلنا التي نرسلها إلى زمنٍ لن نراه. فلا تشفقوا عليهم من قسوة الواقع، بل أشفقوا عليهم من ضعف الوازع. ازرعوا فيهم مخافة الله لا مخافة الناس، وعلموهم أن السلوك السيئ الذي يفيضُ به الشارع هو “مرضٌ” يحتاج إلى علاج، لا “عدوى” يجب أن تصيبهم.
كونوا أنتم القدوة التي يهربون إليها، والصدر الذي يرمون فيه أثقال يومهم، واعلموا أن البذرة الصالحة، وإن ساءت التربة، سَيُسخّر الله لها غيثاً يحييها.
